شهاب الخشاب يكتب «الفهامة ٢٩» المبتسرون
أكثر من ٨ سنوات فى التحرير
هل التاريخ بيتكرر؟ المفكر الأوروبي كارل ماركس قال إن التاريخ بيتكرر مرتين: أول مرة كمأساة، وثاني مرة كمسخرة. العبارة دي كانت في كتاب بيقارن فيه ماركس بين الإمبراطور نابليون الأول، اللي إستولى على الحكم في فرنسا ودمّر أوروبا عشان خاطر هوسه بالعظمة، ونابليون الثالث، اللي حاول يكرر نجاحات خاله بس فشل لدرجة إن الناس بتفتكره عشان تضحك عليه، واللي يضحّك أكثر إن نابليون ماكانش خاله الحقيقي أصلاً.
التكرار بين المأساة والمسخرة واضح في تاريخ مصر الحديث: بين مأساة النكسة ومسخرة معاهدات السلام، بين سياسات الإنفتاح وقت السادات وبيع البلد بالجملة وقت مبارك، بين تنحّي مبارك واللي عمالين نشوفه من وقته. التكرار ده محسوس من برة، وكأننا قاعدين نتفرج على التاريخ وهو بيعدّي، إنما السؤال هو: هل التاريخ بيتكرر من ناحية إحساس البني آدم بالزمن، وهو عايشه وحاسه جوة جسمه وذاته؟ ده أحد الأسئلة اللي سألتهما المفكرة والمناضلة المصرية أروى صالح في كتاب عنوانه "المبتسرون".
الكتاب بيقدم شهادة شخصية عن جيل المثقفين اللي إتولد مع الحركة الطلابية في السبعينات. المبتسرون هم الجيل ده بحاله: شباب نزل في الشارع بأمل وتفاؤل إنهم هيحرروا مصر من الطغيان والقهر، وإنتهى الأمر إنهم بقوا يشتغلوا في مؤسسات مباركية أو في الخليج أو في الدفاع عن "القضية" اللي الشعب نفسه باعها، لأنه أصلاً ماشتراهاش.
كتاب أروى صالح وثيقة لإحساس المثقف المناضل بالفشل اللي بيواجهه في الظروف التاريخية اللي بيعيشها، إن كان فشل المثقفين الناصريين في إنهم يكشفوا عجز الدولة الناصرية، أو فشل الحركة الطلابية السبعيناتية في إنها تنتج حراك إجتماعي واسع، أو حتى فشل البني آدم المناضل إنه يعيش حياة إنسانية في مجتمع لاإنساني.
من أهم إنجازات الكتاب إنه بيخللينا نشوف إزاي المثقف المناضل مش منارة الجماهير – أو ما يسمى بال"طليعة" – إنما جزء من مجتمع مايقدرش يتحرر منه، وكأنه لمبة في شبكة الكهرباء. نضال السبعينات كان في الغالب نتاج الطبقة الوسطى الناصرية وما تبقى من ولاد الباشاوات قبل ثورة 52، والوضع ده في حد ذاته أسس لفرق واضح بين المناضلين والشعب المصري، بين اللي إنعزلوا في عالم موازي من الماركسية والقهوة واللي بيتقال عليهم (بدون كسوف) "الناس العادية"، وكأن المناضلين مش عاديين، أو كأن الشعب كتلة واحدة بإرادة واحدة وتفكير واحد لازم نأدبه ونثقفه.
بعيداً عن الكلام العقائدي، إن كان ناصري أو شيوعي أو إسلامي، المثقف المناضل مايقدرش يخلع نفسه من المجتمع اللي هو عايش فيه: يعني مش عشان الواحد شيوعي هتكون تعاملاته كلها شيوعية، وكذلك مش عشان الواحد إسلامي إن تعاملاته إسلامية. وده واضح بشكل مؤلم في ثالث جزء من كتاب أروى صالح، اللي بيوصف شعورها بالفشل في تأسيس علاقة حب إنسانية في مجتمع حتى الإشتراكيين والشيوعيين اللي فيه بيعاملوا الستات كأعضاء من الطبقة الوسطى، عايزين يمتلكوا الزوجة أو الحبيبة، بس في الآخر مش مهم هي عايزة إيه ولا بتفكر في إيه. (و ده طبعاً في توافق تام مع "القضية").
إنجاز كتاب "المبتسرون" إنه مابيقدمش تحليل من برة، وكأن أروى صالح واقفة فوق التاريخ وبتشاورلنا الطريق منين، إنما بتقدم وثائق بتسمح للقارئ بإنه يحلل التاريخ من جوة، من إحساس المناضل قدام الفشل. وهنا فيه إختلاف ضمني بين رؤيتين للتاريخ: رؤية خارجية مرتبطة بالصراعات الكبرى بين الطبقات اللي أنتجت المجتمع اللي إحنا عايشين فيه، ورؤية داخلية مرتبطة بالأجيال النضالية. قد ما الصراعات الكبرى بتنسّي البني آدم ومشاكله، الكلام عن "الأجيال" بيرسّخ التوازي الإشكالي بين عالم النضال والشعب المصري، بحيث إن "القضية" بتتحول لعائلة كبيرة والأجيال بتسلم لبعضها من جواها ومن غير ماتتعرّف على الشعب اللي المفروض تحرره.
إذن بسبب إن المثقف(ة) المناضل(ة) جزء من المجتمع وتاريخه، هو (هي) والمجتمع بيكرروا التاريخ، مش بس بمعنى إن التاريخ بيزق البشر في مصيرهم وهم قاعدين يتفرجوا، زي مالناس شافت النكسة أو معاهدات السلام في التلفزيون، إنما إن التاريخ بيتكرر في إحساس البشر نفسهم وفي طريقتهم في الكلام عنه.
اللي بتوصفه أروى صالح من إحساس فشل "جيل السبعينات"، والحقد تجاه المثقفين الناصريين واليأس من قدرة الشعب على التغيير والتفاؤل بالأجيال اللي طالعة ممكن يتقاس على إحساس اللي بنسميهم "جيل 25 يناير". قد ما الإختلافات واضحة بين الجيلين، التشابه واضح من ناحية الإحساس بعدم الإكتمال أو الهزيمة أو الفشل أو (في عبارة واحدة) الإبتسار. والمَخْرَج من الحالة دي عمره ما هيجي من التشاؤم أو التفاؤل، إنما من التحليل والتنظيم.