ذكرى استقلال لبنان الـ ٧٣ .. أمل بانطلاقة سياسية جديدة مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية
ما يقرب من ٩ سنوات فى قنا
بيروت في 21 نوفمبر /قنا/ تذخر الذكرى الـ 73 لاستقلال لبنان أملا بانطلاقة سياسية جديدة، تقاطعت على إبرازها كل الطبقة السياسية اللبنانية، وهذا ما تجلى بانتخاب رئيس الجمهورية في 31 أكتوبر الفائت، وتكليف رئيس لتشكيل الحكومة، وما سبق هذان الحدثان من أجواء مباشرة وايجابية فتحت الدوائر المغلقة والأبواب المقفلة على حراك جديد كان الوطن بأمس الحاجة إليه.
وتكتسب ذكرى الاستقلال في حياة الأوطان أهمية كبرى، إلا أن هذه السنة لها أهمية استثنائية في حياة اللبنانيين. وللمرة الأولى منذ سنتين ونصف السنة تقريبا، يسد الفراغ الرئاسي وينتخب رئيس جديد تتويجا لتفاهمات سياسية خلطت الأوراق، وأعادت النظر بالاصطفافات السياسية.
فاستقلال لبنان، كان يمنى أحيانا بسلبيات وعلل تظهر في اشكالات وفتن وحروب، بعضها قصير، وبعضها الآخر لأشهر أو عدة أعوام. ومع كل فتنة كان البعض يتصور بأن الكيان اللبناني الذي نال استقلاله بجهد جهيد آيل إلى الضياع، والهوية اللبنانية مهددة بالتمزق. ولكن إرادة العيش الوطنية المغروسة في الوجدان اللبناني، كانت دائما تعيد احياء الآمال، وبالتالي تفتح السبل أمام مراحل من الازدهار والاستقرار والعمل على إزالة سلبيات الحقب السوداء.
بعد الحرب العالمية الأولى وخروج العثمانيين من لبنان وباقي المنطقة العربية، دخلت فرنسا إلى لبنان ليصبح تحت الانتداب الفرنسي. وفي سبتمبر من العام 1920 أعلن المفوض السامي لدولة الانتداب الفرنسي الجنرال غورو قيام "دولة لبنان الكبير" عاصمتها بيروت، أما العلم فكان عبر دمج علمي فرنسا ولبنان، وضمت ولاية بيروت مع أقضيتها وتوابعها (صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار) والبقاع مع أقضيته الأربعة (بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا) فاتسعت مساحته من 3500 كلم مربع إلى 10452 كلم مربع وازداد سكانه من 414 ألف نسمة إلى 628 ألف نسمة. وفي 23 مايو من عام 1926 أقر مجلس الممثلين الدستور وأعلن قيام الجمهورية اللبنانية. لينتخب بعدها شارل دباس كأول رئيس للبنان.
لم تعترف الحركة الوطنية السورية وممثلوها في لبنان من الزعماء السياسيين المسلمين، بالكيان اللبناني. وفي المفاوضات بين الحكومة الفرنسية والحركة الوطنية السورية في مطلع الثلاثينات، اشترطت فرنسا أن تسلم الحركة الوطنية السورية بالكيان اللبناني لقاء توقيع معاهدة تعترف فيها فرنسا باستقلال سوريا ولبنان. ولقد قبل ممثلو الحركة الوطنية هذا الشرط الأمر الذي أحدث تصدعا في صفوف السياسيين المسلمين "الوحدويين" في لبنان، وراح بعضهم "يتلبنن" مثل خيرالدين الاحدب والبعض الآخر يبحث عن صيغة للتوفيق بين ولائه "القومي العربي"، وبين اعترافه بالكيان اللبناني مثل رياض الصلح وبشارة الخوري.
ومن عام 1930 إلى عام 1943، راحت "صيغة" رياض الصلح بشارة الخوري وغيرهم من طلاب الاستقلال ـ تتبلور، إلى أن تحولت إلى ما سمي بالميثاق الوطني اللبناني، وهو يقوم على المعادلة التالية: من أجل بلوغ الاستقلال، على المسيحيين أن يتنازلوا عن مطلب حماية فرنسا لهم، وأن يتنازل المسلمون عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري- العربي.
وفي بداية الحرب العالمية الثانية، ازداد الوضع العسكري سوءا أمام الفيشيين، وقلت امداداتهم العسكرية وقل اهتمام هتلر بجبهة الشرق الأوسط ما اضطر الفيشيون لأن يقبلوا بشروط الحلفاء لوقف القتال والاستسلام في 8 يوليو 1941. وجرت مفاوضات بين الجانبين (الإنجليز والفيشيين) في عكا، انتهت بتوقيع اتفاقية الهدنة في 14 يوليو 1941 التي قضت بانسحاب الفيشيين من لبنان وسوريا، بعد ذلك تسلم الفرنسيون السلطة في لبنان وسوريا وحلوا مكان الفيشيين، وتولى الجنرال كاترو سلطة المفوض بصفة مندوب عام لفرنسا الحرة. وكان الجنرال كاترو قد وعد اللبنانيين بالاستقلال في بيانه المؤرخ في 8 يونيو 1941 قبل بدء الحملة العسكرية، إلا أن اللبنانيين بمختلف طوائفهم احتجوا على هذا النوع من الاستقلال واعتبروه مزيفا لأن الدستور ما زال معلقا والفرنسيين هم الذين عينوا رئيسا للجمهورية (الفرد النقاش) واحتفظوا لأنفسهم بحق التدخل في شؤون لبنان الداخلية، وعملوا على ربط البلاد بمعاهدة شبيهة بمعاهدة 1936. لذلك، كان الاجتماع الوطني الكبير الذي عقد في بكركي في 25 ديسمبر1941، برعاية البطريرك انطوان عريضة وفي حضور ممثلين عن مختلف الطوائف والمناطق، وكان الشيخ بشارة الخوري (زعيم الكتلة الدستورية) ورياض الصلح (زعيم بارز في الحركة الوطنية ) من أبرز المحتجين على استقلال كاترو المزيف. وطالب المحتجون باستقلال لبنان التام وعودة الحياة الدستورية إليه وإجراء انتخابات نيابية حرة وتشكيل حكومة وطنية صحيحة.
ومع شعور اللبنانيين بأن الانتداب تحول الى احتلال، وفوز الشيخ بشارة الخوري برئاسة الجمهورية بتاريخ 21 سبتمبر 1943 وتأليف حكومة برئاسة رياض الصلح ضمت إلى الصلح: كميل شمعون، حبيب أبي شهلا، عادل عسيران، الامير مجيد ارسلان وسليم تقلا، أعلن الاستقلال التام، وعمدت الحكومة الجديدة الى اعتماد اتفاق غير مكتوب بين المسيحيين والمسلمين، يعبر عن صيغة عيش مشترك بين اللبنانيين ضمن لبنان الحر المستقل. وقد انبثق هذا الميثاق من خطاب بشارة الخوري، ومن البيان الوزاري الذي ألقاه رياض الصلح أمام النواب.
وتضمن الميثاق المبادئ الآتية أن لبنان جمهورية مستقلة ترفض الحماية الأجنبية او الانضمام الى أي دولة عربية. وإنه وطن لجميع اللبنانيين على تعدد طوائفهم ومعتقداتهم وهو جزء من العالم العربي. وهو موطن الحريات العامة يتمتع بها اللبنانيون على أساس المساواة. وأن يتخلى المسلمون عن المطالبة بالوحدة أو الاتحاد مع الشرق العربي، وفي المقابل يتخلى المسيحيون عن المطالبة بالحماية من الغرب الأجنبي.
إحالة مشروع تعديل الدستور الى المجلس النيابي، اعتبر في حينها تحديا للمفوض السامي الذي علق الدستور وأمر باعتقال رئيسي الجمهورية والحكومة وبعض الوزراء والزعماء الوطنيين أمثال عادل عسيران وكميل شمعون وعبد الحميد كرامي وسليم تقلا واحتجزهم في قلعة راشيا. فقام رئيس مجلس النواب آنذاك صبري حمادة وبعض النواب باجتماع مصغر في بشامون جنوب بيروت وشكلوا حكومة مؤقتة ورفع العلم اللبناني المكون من ثلاثة أقسام الأحمر في الأعلى والأسفل والأبيض في الوسط حيث تتوسط الأرزة الخضراء. فأعلن الاستقلال في 22 نوفمبر 1943 وأطلق المعتقلون وتم الاعتراف به في 1 يناير 1944 وتم جلاء القوات الفرنسية في 31 ديسمبر1946، وفي عام 1947 انتسب لبنان الى جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة.
بعد الاتفاق على صيغة بيان العيش المشترك لم تقم حكومة الاستقلال بزيارة المفوض الفرنسي، كما كان متبعا في السابق لأن ذلك يتنافى مع مفهوم الاستقلال، وقد اعتبرت الحكومة المفوض سفيرا لبلاده في لبنان، لذا عليه، حسب البروتوكول، أن يقوم هو بزيارة رئيس الحكومة للتهنئة، لكن ذلك لم يحصل. وقيام الحكومة بتحديد البيان الوزاري بدون إشراك المفوضية الفرنسية، وإصدار الحكومة مذكرة بوجوب استعمال اللغة العربية فقط في الإدارات الرسمية، مما عطل دور المستشارين الفرنسيين فيها، فضلا عن إقدامها على تعديل الدستور في 8 نوفمبر 1943 بدون موافقة الفرنسيين لإنهاء الانتداب وتحقيق الاستقلال وإحالة هذا التعديل الى المجلس النيابي لإقراره.
كل هذه الأمور مجتمعة أدت الى غضب الفرنسيين، فأقدم هيللو في فجر 11نوفمبر 1943 على تعليق الدستور، واعتقال رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الوزراء رياض الصلح، والوزراء: عادل عسيران، كميل شمعون، سليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، وسجنهم في قلعة راشيا، وقضى القرار الذي أصدره هيللو بإبطال مفعول التعديل، وحل المجلس النيابي.
وفور سماع نبأ الاعتقال توافد النواب والوزيران الباقيان خارج الاعتقال، حبيب أبي شهلا، والأمير مجيد أرسلان، الى منزل رئيس الجمهورية، فعقدوا جلسة تقرر فيها أن يمارس حبيب ابي شهلا بصفته نائب رئيس الوزارة، مهام رئيس الجمهورية، وأن يشكل حكومة مؤقتة برئاسته يشاركه فيها الوزير مجيد ارسلان، لتقوم مقام الحكومة المعتقلة، بعد ذلك دعا صبري حمادة، رئيس مجلس النواب في ذلك الوقت، النواب الى الاجتماع في المجلس النيابي، فلم يتمكن من الحضور سوى سبعة منهم، فقرروا تعديل العلم الى شكله الحالي وأرسلوا مذكرات احتجاج الى بعض الدول الأجنبية والعربية.
ونظرا لمضايقة الفرنسيين للنواب المجتمعين، توجهوا الى منزل صائب سلام وهناك منح النواب المجتمعون الثقة الى حكومة أبي شهلا المؤقتة وأكدوا أن الدستور ما زال قائما رافضين بذلك إجراءات هيللو، وانتقلت الحكومة الثنائية المؤقتة، المؤلفة من حبيب أبي شهلا ومجيد ارسلان والتي اعتبرت شرعية، الى بشامون، بعد أن انضم إليها صبري حمادة. وهناك أصدرت أمراً الى مدير مصرف سوريا ولبنان، والى أمين صندوق الخزينة بالامتناع عن صرف أي مبلغ الا بعد موافقتها، وأصدرت مراسيم تنكر شرعية اميل ادة، وتأمر الموظفين بعدم اطاعته، وأنشأت الحرس الوطني للدفاع عن مقر الحكومة الشرعية المؤقتة .كما أرسلت مذكرات احتجاج الى ممثلين الدول الكبرى والدول العربية.
من جهة أخرى، عين هيللو الرئيس اميل ادة رئيسا للدولة وللحكومة، وطلب منه تشكيل حكومة جديدة، لكن اللبنانيين لم يتعاونوا معه، واندفعوا في الشوارع غاضبين، فقاموا بالمظاهرات وأعمال الشغب، واصطدموا مع الفرنسيين، فأضربت المدن اللبنانية إضرابا عاما، وقام الشباب الوطني بحماية التظاهرات وتنظيمها فضلا عن اشتراك اللبنانيين طلابا ونساء ورجال أعمال وأصحاب مهن مختلفة في التعبير عن رأيهم الرافض لما يجري، فكان الاستقلال الفعلي الذي أراده اللبنانيون.
وفي 22 نوفمبر من عام 1943 اضطرت حكومة فرنسا الى إطلاق المعتقلين والاعتراف باستقلال لبنان التام بعد صمود اللبنانيين حكومة وشعبا، وقد أصبح هذا اليوم عيدا للاستقلال.
ولا يمكننا التحدث عن الاستقلال من دون ذكر الجيش. فمن التقاليد التي تمارس في هذا العيد، العروض العسكرية التي تنظمها قيادة الجيش، والتي تشارك فيها الألوية العسكرية كافة والقوات الجوية والبحرية، والوحدات المؤللة، بالإضافة الى الدفاع المدني والصليب الأحمر وغيرها من الحركات الكشفية.
واليوم وللمرة الأولى منذ عامين ونصف العام، سيكون هناك عرض عسكري، هو بشارة لعودة عجلة الدولة الى الدوران. المشهد يعكس في طياته فتحا لصفحة جديدة في الحياة السياسية اللبنانية والتفاهمات الوليدة، وضعت الى حد بعيد نهاية لحقبة سياسية تجاوز عمرها العقد من السنين. والواضح أن هذه التفاهمات ستفتح الأبواب الموصودة بين المكونات السياسية محورها ضبط التناقضات التي عصفت بالبلاد طوال عدة أعوام، وبالتالي الاحتكام الى الدستور وللعمل السياسي الراقي والحضاري الذي يخدم الدولة ويخدم الإنسان في هذا الوطن.