السبيل إلى سد باب التلاسن
أكثر من ٧ سنوات فى الشبيبة
فريد أحمد حسنالقاعدة التي ينبغي أن ينطلق منها مواطنو دول مجلس التعاون في التعامل مع الأمور المختلف عليها هي أن «من حقك أن يكون لك موقف سياسي يختلف عن موقف غيرك ومن حقك أن تؤيد هذا الطرف وتتخذ موقفاً سالباً من الطرف أو الأطراف الأخرى، ولكن ليس من حقك التطاول عليهم وسبهم وتجريحهم واقتحام خصوصياتهم لأن هذا الفعل يأخذك إلى مساحة أخرى بعيدة عن النقاش وحق النقاش إلى حيث يمكن للقضاء أن يحكم عليك بالعقوبات التي تحددها القوانين، وحيث تقل قيمتك». فارق كبير بين تعبيرك عن رأيك وقناعاتك وبين تعبيرك عن غضبك وقلة حيلتك، تعبيرك عما تعتقده وبطريقة لا تؤذي الآخر يجعل الآخر يحترمك ويقدرك وإن لم يكن يتفق معك على كل ما تقول، بينما تعبيرك بالطريقة الأخرى يعني أنك سمحت لنفسك بالتجاوز والاعتداء على الآخر، وهذا يحدث عندما تنحرف عن الأساس وتدخل في التفاصيل التي لا قيمة لها، والنتيجة هي توسيع الخلاف وتعقيد المشكلة بدل المساهمة في حلها أو تحجيمها.للأسف فإن الكثيرين من أبناء دول المجلس اختاروا الطريق الأخير هذا للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بدلاً عن ممارسة حقهم في الاختلاف، فتحول النقاش الذي ينبغي أن يكون وأن يثري إلى ملاسنات لا يمكن للشعوب الخليجية إلا أن تحصد من ورائها «المر والعلقم» في وقت «يزدحم فيه الشرق الأوسط بالأخطار والتهديدات الحقيقية الوجودية لنا، ما يتطلّب اليقظة واتخاذ الاحترازات وليس الغرق في هذا العبث» كما يقول أستاذ العلوم السياسية والباحث د.عبدالله النفيسي الذي يدعو كغيره من المثقفين والسياسيين العقلاء إلى توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في ما يثري ويوصل إلى نقاط اتفاق وليس في ما يؤذي ويوصل إلى الفراق والعداوات ويزيد من تعقيد المشكلة ويؤخر حلها. صحيح أن ما جرى في يونيو من العام الفائت عندما اتخذت ثلاث من دول المجلس هي السعودية والإمارات والبحرين موقفاً من دولة رابعة هي قطر وتبع ذلك إجراءات ومواقف كان غريباً على شعوب دول التعاون ومفاجئا للجميع وباعثاً على اتخاذ مواقف منحازة بحكم الانتماء، وصحيح أنه لا تتوفر لدى الغالبية من شعوب دول المجلس الثقافة المطلوبة للتفاعل مع هكذا مواقف والتعامل مع هكذا أحداث، إلا أن هذا كله لا يبرر الدخول في التلاسن والتجرؤ على الثوابت والأعراف، فليس من أخلاق هذه الشعوب التي يشهد التاريخ لها بحسن أخلاقها وتميزها في التعامل مع الآخر – أيا كان هذا الآخر – التطاول على بعضها البعض واللجوء إلى قاموس البذاءة في الدفاع عن القناعات والاعتقادات والمواقف.توفر وسائل التواصل الاجتماعي التي هي متاحة للجميع وبالمجان وعلى مدار الساعة سبباً أساسياً في الدخول إلى هذه المساحات السالبة، فهذه الوسائل يصعب مراقبتها والتحكم في ما ينشر فيها ومن خلالها وهي متاحة لكل المستويات، لهذا تحولت إلى ميدان للتلاسن الذي للأسف الشديد لم يقتصر على محدودي الثقافة وفقيري التعليم ولكنه تجاوزهم إلى كثيرين يعاب عليهم دخولهم في هذا الحيز القميء بسبب حظوظهم الوافرة من التعليم والثقافة، حتى وصل التلاسن حدا لا يطاق بل واعتبر البعض ذلك حقا مكتسبا، فطال الأذى والكلام الناقص الجميع من دون استثناء، وهو ما كان ينبغي أن يحدث في المجتمعات الخليجية التي ظل أبناؤها على مدى التاريخ عنوان «السنع» والمثال الذي تحتذي به شعوب العالم في «الذرابة».من الأمور التي صارت كل المجتمعات الخليجية تعاني منها أيضا وتحتاج إلى وقفة - لأنها تعتبر ظاهرة ينبغي علاجها - مسألة تمرير ونقل الأخبار والمعلومات من دون التيقن من صحتها والاكتفاء بسماعها من شخص أو جهة واعتبارهم صادقين واتخاذ المواقف، هذا الأمر نتاج الاستخدام السالب لوسائل التواصل الاجتماعي أيضا وله تأثير غير عادي في تعقيد الموضوعات التي يتم مناقشتها.من حقي أن أدافع عن وطني، ومن حقي أن أعبر عن آرائي بحرية وأن أتخذ المواقف من كل مسألة ومن كل قول وفعل، ولكن ليس من حقي التطاول على الآخرين واقتحام الأعراف والعادات والتقاليد والعبث في أساسات المجتمعات الخليجية القائمة على الأخلاق الإسلامية والعربية.مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي مسألة صعبة وغير عملية وقد تكون غير ممكنة، ومنع المواطنين من التعبير عن آرائهم ومواقفهم مسألة صعبة أيضا وتسيء إلى المكاسب ذات العلاقة بالحريات وتعيد المجتمعات الخليجية إلى الوراء، لذا فإن الرأي هو التعاون على توجيه مستخدمي هذه الوسائل لتوظيفها بالطريقة التي تليق بأهل الخليج العربي وفي نفس الوقت تضمن للجميع التعبير عن قناعاتهم ومواقفهم، فهل يمكن أن ينفر من كل دولة من الدول الخليجية الستة طائفة ليتفكروا في هذا الأمر ويوجدوا الطريقة المثلى التي تضمن عدم الانحراف عن الأساسات وتتيح للجميع التعبير عن قناعاتهم وآرائهم ومواقفهم؟ لو أن توجهاً كهذا وجد طريقه إلى التحقق فإن جزءا كبيرا من المشكلة التي طرأت بين دول مجلس التعاون سيكون قابلا للحل، حيث الوقت الذي يضيع حاليا في الملاسنات وما تجره من مشكلات وويلات يتم صرفه في إيجاد المخارج المناسبة والحلول العملية التي لا بد أن يتم التوصل إليها، إذ من غير المعقول أن تستمر هذه المشكلة الطارئة والغريبة على المجتمعات الخليجية إلى الأبد.سد باب التلاسن يفتح الطريق تلقائياً إلى كلام العقل كي يجد طريقه إلى حكماء المجتمعات الخليجية.كاتب بحريني