بين الذكاء الاصطناعي وحركة التنوير

٢٤ يوم فى الإتحاد

هل سيُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة فكرية عميقة كعصر التنوير؟ المتحمسون للفكرة يدّعون ذلك، بل يستخدم بعضهم تعبيرَ «التنوير الثاني» لوصف ما قد ينجم في نهاية المطاف عن الذكاء الاصطناعي. وبصفتي مؤرخاً لعصر التنوير الأصلي، أجد الفكرةَ مثيرةً للاهتمام وأرى بعضَ أوجه الشبه. لكن المقارنة الدقيقة بين الظاهرتين تكشف ليس فقط كيف يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مدمراً للحياة الفكرية، بل كيف يمكن له أن يُقوّض المبادئ الجوهرية للتنوير نفسه. لا شك في أن أوجه التشابه لافتة. فالتنوير، وهو الاسم الذي يطلقه المؤرخون على التحول الفكري الجارف الذي اجتاح أوروبا في القرن الـ 18، ملأ أنصارَه بالأمل في أن عصر العقل قد بزغ، ودفعهم إلى رؤية عصرهم كتطور نحو مستقبل مختلف جذرياً وأفضل.
ومثلما يتحدث أنصار الذكاء الاصطناعي اليوم بحماسة عن «ثورة وشيكة»، يقول المدير التنفيذي للذكاء الاصطناعي في «مايكروسوفت»، مصطفى سليمان، إنها «أعظم إعادة توزيع للسلطة في التاريخ»، تحدّث الفيلسوفُ والرياضي الفرنسي جان لو رون دالامبير، في القرن الـ 18، عن «نقطة تحول في تاريخ العقل البشري» وعن «ثورة» في الأفكار والتاريخ. أما دنيس ديدرو، زميله ومشاركُه في تحرير أعظم مشروع نشر في عصر التنوير، وهو «الموسوعة»، فقد تباهى بأنهم يسعون إلى «تغيير الطريقة الشائعة في التفكير».
كان مؤلفو عصر التنوير يأملون أيضاً في تحقيق أهدافهم من خلال توفير طرق جديدة لتنظيم المعرفة البشرية ونقلها إلى الجمهور. وقد جسّدت «الموسوعة»، وهي أكثر المراجع إبداعاً وأصالة في التاريخ، هذا الطموح. فلم تقتصر مجلداتُها الثمانيةُ والعشرون، المنشورة بين عامي 1751 و1772، على احتواء حوالي 74 ألف مقالة حول كل شيء تقريباً، بل رسمت كذلك خريطةً لنظام المعرفة البشرية بطريقة تحدَّت الجهودَ السابقةَ القائمة على الدين. ولم تكن المعرفة التي عرضتها الموسوعة مجرد مفاهيم مجردة. واليوم، يتفاخر أنصار الذكاء الاصطناعي بأن «تشات جي بي تي» يمكنه، من خلال الأوامر الصحيحة، أن يُعلمك أي شيء، من اللغة الأجنبية إلى ميكانيكا السيارات والمحاسبة.
أما الموسوعة، فضمّت 11 مجلداً من الرسوم التوضيحية، تحتوي على تعليمات دقيقة لكل شيء تقريباً، من كيفية صنع مرآة، إلى تجهيز مخبز، أو صبّ تمثال فروسية. كما توقع مؤلفو عصر التنوير، مثل معلقي الذكاء الاصطناعي اليوم، تقليصَ المسافة بين الإنسان والآلة. فقد صمم بعض مخترعي ذلك العصر آلات معقدة للغاية، كانت تكتب وترسم وتعزف الموسيقى. وليس من قبيل الصدفة أن رواية ماري شيلي، «فرانكشتاين»، الصادرة عام 1818، غالباً ما تُقرأ كتعبير عن نقد لغرور عصر التنوير وسعيه المزعوم لمحاكاة خلق الله. واليوم، يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلَ طريقة التعلّم، إذ تتسابق الجامعات لإدماج هذه الأداة في العملية التعليمية. ومن المتحمسين لذلك زميلي في برينستون، جراهام بيرنيت، الذي يُدخل الذكاء الاصطناعي في دوراته ويُشيد بقدرته على «إعادة اختراع التعليم الإنساني».
وكان مفكرو التنوير يطمحون إلى أهداف مماثلة، إذ وجّهوا انتقادات لاذعة للمؤسسات التعليمية التقليدية، واقترحوا مخططات جديدة للتعليم على جميع المستويات، من المهد إلى الدكتوراه. ومن أكثر الجوانب إثارةً في الذكاء الاصطناعي اليوم، قدرتُه على تقديم تعليم شخصي وتفاعلي في أي موضوع تقريباً. يقول بيرنيت: «أستطيع بناء الكتاب الذي أريده في الزمن الحقيقي، يتجاوب مع أسئلتي، ومصمم وفق تركيزي، ومنسجم مع روح بحثي». وقد تخيّل مؤلفو التنوير الكتبَ بطريقة مشابهة على نحو لافت: ليست ككتيبات تعليمية جامدة، بل كمواقع لإشراك القراء في حوار افتراضي. وكتب الفيلسوف السياسي الكبير «مونتسكيو»: «يجب ألا نستنزف الموضوع حتى لا يبقى للقارئ ما يفعله. الهدف ليس أن نجعلهم يقرأون، بل أن نجعلهم يفكرون».
أما «فولتير»، أشهر فلاسفة التنوير الفرنسيين، فقال: «أكثر الكتب فائدةً هي تلك التي يكتب نصفها القرّاء بأنفسهم». صحيح أن إشراك القراء كان مشروعاً فكرياً قديماً، لكن في الغرب التنويري، اتخذ هذا المفهوم شكلَه الحديث: ممتع، مشوّق، سهل القراءة، وموجز. وهنا، في مسألة التفاعل، تنهار المقارنة بين التنوير والادعاء القائل بوجود «تنوير ثانٍ» عبر الذكاء الاصطناعي، وتكشف عن حدود الذكاء الاصطناعي ومخاطره. فعندما يتفاعل القارئ مع كتاب، فإنه يتبع قيادة النص، يحاول الإجابة عن أسئلته، ويواجه تحدياته، مما يعرّض قناعاته الذاتية للخطر. أما مع الذكاء الاصطناعي، فنحن مَن يقود المحادثةَ. نحن مَن يصوغ الأسئلة، ونوجّه البحث وفق اهتماماتنا الخاصة، وغالباً ما نبحث عن أجوبة تُعزز ما نظن أننا نعرفه بالفعل. في تفاعلاتي الشخصية مع «تشات جي بي تي»، كثيراً ما كان يرد بإطراء واضح الاصطناع: «سؤال رائع!». لكنه لم يقل يوماً: «هذا سؤال خاطئ».
ولم يتحدَّ قيمي الأخلاقية أو يطلب مني تبريرَ موقفي. ولماذا يفعل ذلك؟ فهو، في نهاية المطاف، منتج تجاري عبر الإنترنت. ومثل هذه المنتجات تجني الأرباحَ من خلال تقديم المزيد مما يُظهر المستخدمون رغبةً فيه، سواء أكانت مقاطع فيديو مضحكة للقطط، أو إرشادات إصلاح الأجهزة المنزلية، أو محاضرات عن فلسفة التنوير. وإن أردتُ من «تشات جي بي تي» أن يتحدّاني فكرياً، فيمكنني بالطبع أن أطلب ذلك، لكني سأضطر إلى أن أطلبه بنفسي. إنه يتبعني، لا العكس. وبطبيعته، يجيب الذكاء الاصطناعي عن أي استفسار تقريباً بطريقة سلسة، واضحة، وسهلة الفهم، قد نقول إنها «مُعالجة فكرياً بشكل مسبق».
وفي معظم الحالات العادية، تكون هذه السلاسة محل ترحيب. لكن مفكري التنوير فهموا أهمية أن يُجهد القارئ نفسَه في فهم النص. فقد كتبوا أعظمَ أعمالهم في شكل روايات غامضة، أو حوارات تقدم وجهات نظر متناقضة، أو أمثال فلسفية مليئة بالألغاز والمفارقات. وعلى عكس التوليفات الناعمة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، كانت هذه الأعمال تُجبر القراءَ على تنمية قدراتهم النقدية والتوصل إلى استنتاجاتهم الخاصة. وباختصار، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزوّدنا بالمعلومات، والتعليم، والمساعدة، والترفيه، بل وحتى المواساة.. إلخ، لكنه لا يمكن أن يزوّدنا بالتنوير.
ديفيد بيل*
*أستاذ التاريخ في جامعة برينستون
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز» 

شارك الخبر على