أهمية المساعدات الخارجية لسكان الدول الفقيرة
شهران فى الإتحاد
كان من السهل اعتبار الجهود المبذولة لتحسين آفاق أفقر سكان العالم فشلاً ذريعاً. فقد أبلغت الأمم المتحدة بوجود 712 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع في عام 2022، أي أكثر بـ 23 مليوناً مما كان عليه الوضع في عام 2019. كما ارتفعت نسبة السكان الذين يعانون الجوعَ في العالم من 7.9% إلى 9.% خلال الفترة ذاتها. وما زال 2.1 مليار شخص يطهون باستخدام الروث أو الخشب أو الفحم أو ما شابه ذلك.
لكن، إذا نظرنا إلى الصورة من منظور أوسع، فإن سجل بعض أفقر دول العالم في تحسين مستويات المعيشة لشعوبها كان قوياً على نحو مدهش، وأفضل مما كان يتوقعه أحدٌ قبل ربع قرن فقط، حين وضعت الأمم المتحدة أهدافَها الإنمائية للألفية. وقالت «إستير دوفلو»، الخبيرة الاقتصادية التي تشارك في إدارة مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «لقد تحقق قدر هائل من التقدم، وغالباً من دون الكثير من الأموال الخارجية».
لكن جزءاً كبيراً من هذا التقدم مهدد الآن. فبينما لا تزال الدول منخفضة الدخل تحاول النهوض من دمار جائحة كوفيد وتسعى جاهدة للخروج من أعباء الديون، ها هي تتلقى ضربة جديدة جراء حرب الرئيس دونالد ترامب التجارية. فمن المرجح أن تؤدي سياسات ترامب التجارية إلى تقليص آفاق الاقتصاد العالمي، وزيادة حالة عدم اليقين، والتسبب في تشديد شروط التمويل عالمياً، والإضرار بالطلب على السلع، وهي الصادرات الرئيسية للدول الفقيرة. وكما أشار كبير خبراء الاقتصاد في مجموعة البنك الدولي، إندرميت جيل، هذا الشهر، فـ«باستثناء آسيا، أصبح العالم النامي منطقة خالية من التنمية».
وفوق كل ذلك، قررت بعضُ الدول الأغنى في العالم أنها اكتفت من المساعدات التنموية. فليست الإدارة الأميركية وحدها، التي قامت بتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، بل إن بريطانيا خفضت ميزانيتها للمساعدات إلى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت 0.7% قبل الجائحة. كما خفضت بلجيكا وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد أيضاً ميزانياتها للمساعدات التنموية. وتشمل مبررات هذه التخفيضات ظهور أولويات مالية أخرى، مثل الحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، لكنها غالباً ما تُبرَّر بطرح مباشر وصارم، عبّر عنه إيلون ماسك، الذي تولى لبعض الوقت «وزارة كفاءة الحكومة»، حين قال إن المساعدات الخارجية تُهدَر أو تُبدَّد بفعل الفساد.
لكن هذا ليس مجرد موقف ساخر. بل يستند إلى فرضية شائعة، وإن كانت خاطئة، مفادها أن المساعدات تفشل لأنها لا تستطيع أن تجعل الدولَ الفقيرةَ غنيةً. وهذا يتجاهل الكيفية التي تعمل بها المساعدات فعلياً على تحسين حياة الناس في أفقر دول العالم. وقد يكون من المفيد للقادة، في واشنطن ولندن وباريس وهلسنكي وأمستردام وأوسلو وستوكهولم، أن يتأملوا فيما يمكن أن يخسره العالم إذا تعثرت الجهود المبذولة لتحسين أوضاع الفقراء. فلنأخذ مثلاً وفيات الأمهات.
ففي مالاوي، إحدى أفقر دول العالم، كانت 942 أماً تموت مقابل كل 100 ألف ولادة عند مطلع القرن. وبحلول عام 2016، انخفض هذا الرقم إلى 451. أما في منغوليا، فانخفضت وفيات الأمهات من 200 إلى 49. وبين عامي 2000 و2023، ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في أفريقيا جنوب الصحراء من 52 إلى 63 عاماً. وفي بوليفيا، ارتفعت نسبة البالغين الذين أتموا التعليم الابتدائي على الأقل من 51% إلى 76% خلال هذه الفترة.
وفي جميع البلدان منخفضة الدخل، انخفضت نسبة المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة (HIV) بين مَن تتراوح أعمارُهم بين 15 و49 عاماً من 2.7 إلى 1.7 لكل 1000 شخص غير مصاب.أما فيما يتعلق بالفقر، فقد انخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون على أقل من 3 دولارات في اليوم (بأسعار عام 2021، مع مراعاة تعادل القوة الشرائية) في الدول منخفضة الدخل من 68.8% عام 1995 إلى 51.8% عام 2014. لكن منذ ذلك الحين، عاود الفقرُ المدقع الارتفاعَ ليصل إلى 55.4% من السكان.
والمغزى الأهم من هذه الأرقام هو أنه رغم أن الطريق لا يزال طويلاً لتأمين حياة كريمة لمئات الملايين من الفقراء حول العالم، إلا أن هناك مساراً واقعياً للوصول إلى ذلك الهدف. وعلى الرغم من أن معظم التقدم تم تمويله من ميزانيات الدول الفقيرة نفسها، فإن غياب المساعدات سيجعل الطريق أكثر صعوبة. إن المساعدات تؤدي دوراً لا غنى عنه، إذ توفر أشياء لا يمكن للدول الفقيرة توفيرها بمفردها. وسيكون من الصعب، على سبيل المثال، على الحكومات في أفريقيا جنوب الصحراء أن تكرر تجربة برنامج «بيبفار» (PEPFAR)، الذي أطلقته إدارة جورج بوش الابن لتوفير الوصول الواسع إلى الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، مما أنقذ عشرات ملايين الأرواح من وباء الإيدز.من السهل إلقاء اللوم على «الهدر والفساد».
وأحد أسباب صعوبة تقييم فعالية برامج المساعدات هو أن نتائجها لا تُقاس بدقة في العادة. والسبب الآخر هو أن الأهداف غالباً ما تكون مشوشة، خصوصاً من قبل الحكومات المانحة التي تسعى لإرضاء شرائح متعددة من جماهيرها، كالمزارعين الأميركيين الذين يرون في المساعدات الغذائية وسيلةً لزيادة مبيعاتهم. وقال «أبهيجيت بانيرجي»، المدير المشارك الآخر لمختبر مكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الفساد والهدر ربما يشكلان مشكلة ثانوية». لكن توجد أمثلة كثيرة وموثقة على كيفية مساهمة المساعدات في تحسين آفاق الفقراء. بل إن القصة العامة للمساعدات، في العقود الأخيرة على الأقل، كانت إيجابية بشكل ملحوظ. ولا يمكن التضحية بجهود إنقاذ ملايين الناس من براثن البؤس لمجرد التمسك بالفكرة الخاطئة القائلة بأن إنفاق المال على الفقراء لا ينجح.
إدوارد بورتر*
*كاتب متخصص في قضايا الهجرة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»