أمل ديبو ولنا منك أعذب الذكريات وأحلى الأيام
over 7 years in تيار
هذا أوان الرضى يا أمل وقد انكسب عليك ضياء المسيح في الأساس وظلّ مديد الانسكاب على الرغم من انكسار الجسد بالألم، فغلب الأمل الألم وبقيت أملاً في العيون والقلوب.
لن يحجب رحيلك قوة حضورك العذب والمحتدم في آن، هذا المزيج المكنون فيك كتب سر استمرارك، وهو مزيج نقيّ من تناقضات قد تبدو معقدة لمن لا يعرفك في العمق، راسية على طيبة ووفاء ونبل وإخلاص ومحبة، وصراحة، ومعرفة، بدوت في كل ذلك ليّنة حينًا وصلبة أحيانًا. وقد كان العقل لهيب نار، "عليقًا لا يحترق"، وجعلت منه مائدة يستلذّ التحلّق حولها كثيرون لينهلوا من بهائك، ويطربوا لفكرك، ويتجمّلوا بحلاوتك، ويتقّدوا بكرمك، فيخرجوا من ديارك حاملين فرحًا عظيمًا يعلّيهم في الذوق والرهافة، في العمق والحصافة، في الفكر والثقافة، فلا انبل منك أنشودة تعلو فوق الأناشيد الرتيبة تطربنا وتعزّز فينا الإيمان لنعود به إلى الشوق.حبيبنا المشترك المطران جورج خضر قال في كتابه "لو حكيت مسرى الطفولة"، "لا تأسر الناس في عينيك أطلقهم إلى حيث دعوا هناك حنينهم"، لم يكن حنينك مشدودًا إلى هذه الدنيا، بل إلى الجمال الأعلى والأسمى والأسنى، فمنه استمديتِ الجمالات المحتشدة والمتجمعة فيك كجداول عذبة رقراقة تسيل تدريجيًّا ثم ما تلبث أن تنفجر بلوريّة الوجه في التاثير والتأثّر. كان هذا باديًا عندك في عشقك لخلابة الكلمة ولزاهي الألوان في اللوحات التي أدمنت على محاكاتها واقتنائها وتشجيع راسميها، ضجت نفسك بأنواع الفنون المنحدرة من علُ فاطرت نفسك بها كالعصفور الغرّيد، بل غدت نفسك سماء، لانبثاثها بدءًا من الترتيل وصولاً إلى اندهاشك بالفنّ الرحبانيّ بل بكل أنواع الطرب الأصيل. ليس الجمال فيك وفي داخلك منفصلاً سرّ الملكوتيّة Royauté المنغرس في جوهرك. إنّه المسيح يا أمل. أزعم في قراءتي للفنون والأدبيات أنّ الملكوتيّة ليست في المسيح يسوع بل هي المسيح نفسه. لم تنفصل حياتك عنه، وفي بحثك عن الإنسان-الإنسان بحثتي عن الإنسان-الإله بل الإله –الإنسان أي الإله المتجسّد. هذا الكلمة هو الشغف هو الجمال والحقّ وليس من حق سواه. كان أفلاطون يردّد "الجمال سطوع للحق"، ترى هل كان يرى قبل ملء الزمان المسيحانيّ، بأنّ الكمال هو الجمال المطلق، وأن الحقّ سطوع له؟ ألم يشدّ بهاء المسيح كلّ الرسامين والملحنين والفنانين ليندمجوا وينغمسوا ويجعلوا هذا الجمال سطوعًا للحق؟ لقد عاينت يا أمل فرادة المسيحيّة في الحقّ البشريّ بل في الكرامة البشريّة حينما تجلّى الكمال كلّه من مذبح المذود إلى مذبح الجلجلة، هناك فوق تلة قدسنا المرمية في عدمية القرار الأميركيّ ذقت الجمال كلّه. هناك انبثّ في الكون ولم ينفصل عن أدبياته وتجليّاته، هناك تأكّد شعّ الحقّ المطلق وتأكّد إشعاعه في فجر اليوم الثالث، فجاء الجمال يا امل سطوعًا له.تحضرني يا امل نصوصك الرائعة. في حديث بيني وبين حبيبنا المطران جورج اعترف بحب كبير قائلاً لا أحد يكتب مثل أمل ديبو. إنّه على حقّ. الكتابة عندك ما كانت سوى الشغف المطلق، لعبة الكلمة في جزء عميق منها ليست صياغة بل هي بدع وإلهام ومنها يجيء كل التزام. ما هو مهمّ عندك أن التزامك بالإنسان في الدنيا عبر عن التزامك بالله ومسيحه، لأنك قرأت بأنّ الوجوه تمتمة للوجه الإلهيّ. ولهذا كان نضالك السياسيّ التزامَا مذ كنت على مقاعد الدراسة في الجامعة الأميركيّة في بيروت حتى نلتي الشهادات العليا في الآداب والفلسفة، وبعد ذلك انخرطت في الحركات النضالية بلا شرك من هنا أو هناك. لقد استهلكت الجدلية الدهريّة في السياسة لتجعليها جزءًا من إيمانك. لمَ لا وقد تفتحت نفسك على شعراء وأدباء كبار من أمثال أدونيس ومحمود درويش ويوسف الخال ومحمد الماغوط وبدر شاكر السياب وروايات نجيب محفوظ، وسلكت سلوكًا نحو القيم الكبرى مع هيغل وكيركيغارد وصولاً إلى فاليري وكانت المؤلفات اللاهوتية هي المنطلق الغنيّ في مقارباتها للحياة مع أولغا لوفسكي والمطران أنطوني بلوم وقد كان صديقك الكبير، ومنه اتجهت نحو المسكونيّة بفهم دقيق لما يحدث فأخذت إلى منتديات عديدة بين اوروبا وروسيا، لكنّ دير بوزيه الواقع على جبال الألب كان هو الدهش، كان هذا مدى لحركة روحية ملتهبة في ذاتك، حيث كنت ترتبين رحلة غالبًا ما ضمّت كبار المفكرين على راسهم المطران جورج خضر. كان المشرق ينبلج منكم في أوروبا تحاكونها روحيًّا وتستلهمون الهدوء والروعة في صلاة مشتركة جامعة في هذا الدير العظيم. وبعد يا أمل، كانت طرابلس بداية المشوار. مشوار جينا عالدني مشوار. لقد تفتحت عندك الطفولة في أزقتها وبين اقبيتها، في كنيسة القديس جاورجيوس انطلقت نحو الترتيل وأسست جوقتها. أعانك على التاسيس مطران رائع بصوته ومحبته وهو الملثلّث الرحمات الياس قربان، وأنت قد ربيتِ على صوته الجميل. انبهارك بصوته ما كان صدفة بل ميراثًا من والدتك التي سمعته يرتل في دير مار الياس شويا واكتشفت أنه صوت سماويّ متجانس مع حجارة الدير. هذا الأسقف الطيب عاش فيك ومعك، وبعد غيابه بقي صوته يجذبك إلى السماء، لن أنسى كيف كنّا نسمعه سويًّا وتقولين ليت كل المرتلين في كنيستنا مثله. كرهت في كنيستك سطوة المرتلين وديكتاتوريتهم، هذا أمر كان محطة للتأمل أكثر من مرة، غير أنني فهمت بأنّ المرتل لا يفترض أن يبحث عن نفسه. ثمّة إشكالية تعاش عند المرتلين الأرثوذكس تقوم على أنهم لا يجسّرون ما بين الأرض والسماء بأصواتهم. لا شكّ أن الصوت الجميل باهر، ولكنّ الجدلية التي طرحتها يا أمل هل الجمال في اللحن الكنسيّ يعبّر عن ذاته أو يعبّر عن الملكوت ويدعو الناس للعبور إليه.يا حبيبة القلب أمل، كنت شعلة من نور متحركة وموصولة ما بين الكنيسة والسياسية، ما بين الأرض والسماء. لبنان فلسطين سوريا والمشرق مدى للحب الكبير، الحب كلّه في الناصريّ والمشرق مداه وجسده. أحببت فيك صدقك مع ذاتك والآخرين وإخلاصك للذين حولك. كنت لي ولعائلتي الأخت والصديقة الغالية. لا انسى حين غادرنا أخي كيف أحطتنا بالحب والرقة والحنان، وحين غادرت أمّي كنت معنا. كثيرون من أصدقائنا الأحباء شهدوا كم كانت المحبة قوية بيننا وفي لحظات الخلاف هي الغالبة. لم يكن الخلاف بيننا هوى وهوسًا، بل هو غضب المحبة بين الإخوة، ومن قال أن المحبة لا تغضب؟! ومع هدأة الصباح ونسيمه العليل كنت تقفين على عتبات الفجر تهاتفين وتهتفين، وتبعثين إلي نور الصباح فيغلّف وجهي ليطهر عنه دنس الليل. وكم كنت أخجل أحيانًا حين أكون على خطأ من النظر إليك وفي عينيك، وقد كان الصدق بدوره كثيفًا فيك، لأنك حين بدورك تدركين أنك ذهبت نحو الخطأ كنت تعترفين وتعتذرين. وأحيانًا كثيرة كانت الدموع وحدها هل الكلام.لم أعرف إنسانة بتلك الأخلاق الراقية والنبيلة. لم أعرف إنسانة تتعالى على الظلم، حتى من من ذوي القربى، وكأنك ترددين قول الشاعر طرفة بن العبد:"وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد"وعندما علمتي بأحد مريض لازمته واحتضنته. تلك هي طاقتك ولطافتك. اللطف عاصف عندك، وعصفه يا أمل طيب وجميل. في الحزن تعزين والدموع تمسحين، والجراح تضمدين، والمنسحق ترفعين، وعن المهان تدافعين... هذه خبرتي معك، وتلك خصائص لا تدرك سوى عند الأبرار بأصلة وكبر واحترام.سأفتقدك يا صديقة البيت والعائلة وصديقتي الحبيبة. وسأفتقدك رفيقة درب في اللقاء الأرثوذكسيّ ورئيس للجنة الثقافية حيث كان تعاوننا مثمرًا جدًّا وأصررت على وجودي وتشجيعي، وفي الكنيسة كنت قامة عابدة ومحبة لله تلتزمين حبه حتى الانبهار وترحلين في هدأة الصلاة إليه، لن انسى في الصوم الكبير كم كنت تشغفين بالمسيح الحبيب وتعانقينه حتى الأسبوع العظيم المقدّس، وتصلين من الأعماق. أحببتك في الاتفاق والخلاف، والله شاهد على قوة المحبة. حين قررت أن أكتب عن المطران جورج، قمنا ببحث عن صورة رائعة تعبّر عن موضوع الكتاب، فوجدت في أرشيفك وأنت ذاكرته صورة جالسًا على الطاولة يكتب محاضرة وأمامه كتاب وهو لابس "دشداشة عربية"، أحببت تلك الصورة ووجدتها الأكثر تعبيرًا، أعطيتها لصديقتنا بيبا حاماتي لتجمل الغلاف، فكان غلاف الكتاب صورة عنك وعن بيبا. لن أنسى أنك حاولت أن تعملي لمشروع يخلّد المطران جورج خضر، وعندي ان هذا المشروع يفترض أن يكون هدفًا روحيًّا وثقافيًّا كبيرًا، ووضعت في النهاية ثروتك المتواضعة من أجل من أجل الطلاب الذين لا معين لهم لا سيما في الجامعة الأميركية في بيروت حيث كنت تدرّسين.إذهبي يا أمل إلى حريتك، إلى حيث حنينك، ألا رافقك الله في رحلتك إلى المذود السماويّ لتولدي فيه، هذا يا أمل ميلادك في المسيح، فاهنئي به.بعض من تاريخ هوى، ولكن... هذا أوان الرضى في الحرية الممنوحة لك في رحلتك إلى الملكوت، ولنا منك نحن عشراءك أعذب الذكريات وأحلى الأيام في البال وأجمل الكلمات الباقية وهي وجهك وكيانك وأرقة ميراث معرفيّ وثقافيّ. والدعاء أن يكون مائدة طيبة لكل مستزيد واصلة ما بين الأرض والسماء.ألا كان الله معك.