تأملات
ما يقرب من ٩ سنوات فى أخبار اليوم
لحجة الوداع وقع فى النفس لا يزول ، كأنى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد للحياة توازنها قبل الرحيل ، هو الذى لا نبى بعده ، ولا أحد يملك أن يقول بوحى مهما علت مرتبته ، وأن هناك نفوسا لا تزال تتأرجح بين الشك واليقين ، وهناك أعداء يتربصون بدين الله الدوائر ، ويريدون لو استطاعوا أن ينكص المؤمنون على أعقابهم ويرتدوا عن دينهم كافرين ، فجاءت كل مناسك الحج يسرا ، كلما سئل صلى الله عليه وسلم أجاب: افعل ولا حرج ، وعندما نزلت الآية الخاتمة : « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا « أدرك الصحابة أن الفراق قادم وأن حبيبهم سيلحق بالرفيق الأعلى فقد تمت الرسالة ، لذا كان كل شئ سهلا ويسيرا إلى أبعد الحدود ، وتحققت كلمات السيدة عائشة رضى الله عنها: ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
ولعل الفتن التى أعقبت وفاة النبى قد كشفت عن احتمالات تصدع تحدث فى المجتمعات بشكل عام وفى المجتمعات التى جرى فيها تغيير جذرى كمجتمع الجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام بوجه خاص ، وقد رأينا أول خلاف سياسى ولا أقول دينى عند اجتماع سقيفة بنى ساعدة وإسراع عمر بن الخطاب لمبايعة أبى بكر الصديق ، رغم الاعتراضات التى بدت أثناء عملية التصويت على المبايعة ، ثم الانشقاق حول تسيير جيش أسامة ليحسم الصديق الموقف بقوله الشهير: والله ما كنت لأسيره بغير أسامة بن زيد - وكان صغيرا لم يتجاوز الثامنة عشرة - وقد عينه رسول الله قائدا للجيش ، ثم ذلك الانفلات الأعنف لبعض القبائل وتمردهم على دفع الزكاة ، ليكون موقف الصديق الأكثر حسما والذى لو تهاون فيه نقيرا لانكسرت شوكة المسلمين على صخرة لم تكن فى الحسبان ، ورغم حروب الردة والخسائر التى منى بها المسلمون وسقوط عدد كبير من حفظة القرآن شهداء ، إلا أن المكسب الكبير كان فى إرساء دعائم الدولة الإسلامية وهيبتها وانفاذ قوانينها بكل جد وهمة.
ومن هنا كانت الدروس الأخيرة من رسول الله ملهمة لمن هم بعده بأن يقدروا المواقف ، ويبنوا قراراتهم على قاعدة الدين اليسر الذى يجذب النافرين ويقرب البعيدين ويجمع المشتتين وينصف المظلومين ، وفى نفس الوقت لا تكون السهولة واليسر أداة للهرب من المسئولية ، فلقد حرم صلى الله عليه وسلم الدماء والأعراض والأموال بين المسلمين وهو من ذى قبل قد أوصى بالذميين وأهل الكتاب ، وأخرج المشركين والكفار من أى عهد طالما اعتدوا وبدأوا بالبغى والعدوان ، كانت أمانة فى عنق صاحب الرسالة فأراد أن تكون فى حجة الوداع متلازمة مع اليسر فى أداء المناسك الذى لا يشوبه باطل أو تهاون أو افتراء ، هى مناسك تؤدى لله وكذلك العهود والمواثيق والحفاظ عليها كما ينبغى.
وحين ينظر العالم لهذا الجمع الكبير والمشهد العظيم فى عرفة ، قد يتعجب وقد تسلق الألسنة الحداد بتساؤل خبيث ، أهؤلاء المجتمعون اليوم يعبدون إلها واحدا ويرجمون ابليس ويكملون سعيهم بين الصفا والمروة وطوافهم حول الكعبة معا ، ثم هم اذا عادوا يقاتل بعضهم بعضا ويظلم بعضهم بعضا ، هل غير الحج منهم شيئا ، هل وعوا درس نبيهم صلى الله عليه وسلم ، أن ييسروا ولا يعسروا ولا يسفك بعضهم دم بعض ولا يسرق بعضهم بعضا ، كذلك جرت الأقلام بقدر لا فكاك منه ، حيث قد يعود المرء من هناك وهو لم يع درس نبيه، وليس كل من أثقل على الناس وحملهم على العسر والتشدد بحجة على الإسلام لأن.