الإمارات وكوريا الجنوبية.. نموذج مثالي للتعاون

over 2 years in الإتحاد

أحمد مراد (القاهرة)
أفاد دبلوماسيون وخبراء في الشؤون الآسيوية والعلاقات الدولية بالأهمية الاستراتيجية لتطور العلاقات الثنائية بين دولتي الإمارات وكوريا الجنوبية خلال العقدين الماضيين، لافتين إلى أن هذه العلاقات مرشحة لمزيد من التطور والتوسع خلال المرحلة المقبلة. وأكد الخبراء في تصريحات لـ«الاتحاد» أن البلدين تجمعهما علاقات سياسية واقتصادية ودبلوماسية متميزة، في إطار شراكة استراتيجية خاصة قائمة على مبادئ التفاهم والاحترام المتبادل، والرغبة المشتركة في تطوير أوجه التعاون في المجالات كافة، إضافة إلى توافق في المواقف ووجهات النظر حيال القضايا الدولية والإقليمية. وأشار الخبراء إلى وجود رغبة حقيقية لدى قيادات البلدين لتعزيز وتعميق العلاقات المشتركة، والوصول بها إلى مراحل متقدمة من الشراكة الاستراتيجية، لا سيما في ظل تنامي قوة وفعالية الدور الإقليمي والدولي لدولة الإمارات، وهو أمر يدفع الجانب الكوري الجنوبي إلى تعميق وتوسيع العلاقات مع الإمارات.واحتفلت الإمارات وكوريا الجنوبية في عام 2020 بمرور 40 عاماً على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في ظل وجود تعاون ثنائي شمل العشرات من المشاريع والاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الطاقة النووية، والاقتصاد، والرعاية الصحية، والثقافة، والتعليم، والإدارة الحكومية والفضاء، وغيرها من المجالات. ووقع البلدان اتفاقية لإعلان 2020 عاماً للحوار الإماراتي ـ الكوري الجنوبي تحت شعار «تقارب الثقافات».
محطات بارزةأوضح الدكتور محمد صادق إسماعيل، خبير العلاقات الدولية، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، أن الإمارات وكوريا الجنوبية تجمعهما علاقات سياسية واقتصادية متميزة في إطار شراكة استراتيجية خاصة قائمة على مبادئ التفاهم والاحترام المتبادل، والرغبة المشتركة في تطوير أوجه التعاون في المجالات كافة، وهو الأمر الذي يحظى بدعم كبير من قبل القيادات العليا في البلدين.وشكلت الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى كوريا الجنوبية في فبراير من عام 2019، عندما كان ولياً لعهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، محطة مهمة ضمن محطات الشراكة بين البلدين، حيث جرى خلالها توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وتعاون.وبرزت قوة العلاقات بين الإمارات وكوريا الجنوبية خلال زيارة الرئيس الكوري الجنوبي السابق، مون جيه-إن، إلى الإمارات خلال يناير 2022، وعلى هامش هذه الزيارة وقع البلدان مجموعة من اتفاقيات التعاون، كان من أبرزها مذكرة تفاهم بين وزارة الدفاع الإماراتية وإدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي في كوريا الجنوبية بشأن التعاون المتوسط وطويل الأمد في مجالات الصناعات الدفاعية وتكنولوجيا الدفاع.إلى جانب توقيع 3 مذكرات تفاهم بين مجلس التوازن الاقتصادي الإماراتي والجهات والشركات الكورية الجنوبية، منها مذكرة تفاهم مع شركة LIG NEX1، ومذكرة تفاهم أخرى مع نظام «هانهاوا»، ومذكرة تفاهم ثالثة مع شركة «هانهوا» للدفاع.كما وقع الجانبان 3 اتفاقيات بين شركة بترول أبوظبي «أدنوك» وعدد من الجهات والشركات الكورية، من بينها اتفاقية إطارية مع بنك التصدير والاستيراد الكوري، واتفاقية دراسة مشتركة مع شركة نفط KNOC وشركة SK غاز الهيدروجين- أمونيا، أما الاتفاقية الثالثة فكانت مع شركة نفط KNOC بشأن شحن الأمونيا.
تبادل معرفيوأكد مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة لـ«الاتحاد» أن الإمارات وكوريا الجنوبية مهتمتان بتعزيز الشراكة الاقتصادية عبر جملة من الاستثمارات البينية المشتركة، وتفعيل آليات التبادل التجاري الذي سجل في عام 2021 نحو 600 مليون دولار لصالح الإمارات في مقابل من 250 إلى 300 مليون دولار لصالح كوريا الجنوبية.وتُعتبر دولة الإمارات الشريك التجاري الأول عربياً لكوريا الجنوبية، حيث تستحوذ على نحو 27% من إجمالي تجارة كوريا الجنوبية مع الدول العربية، وبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين في عام 2020 نحو 4.9 مليار درهم.ومنذ عام 2018، يُعتبر سوق دولة الإمارات الوجهة الأكبر عالمياً لشركات البناء الكورية الجنوبية، وبلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى دولة الإمارات من كوريا الجنوبية نحو 2 مليار درهم بنهاية عام 2019، بينما بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر إلى كوريا الجنوبية من دولة الإمارات نحو 200 مليون درهم كاستثمار مباشر لنهاية عام 2020. ويُقيم في الإمارات أكثر من 13 ألف كوري جنوبي، ولديهم استثمارات في أكثر من 1000 شركة في مختلف المجالات والقطاعات، وتستقبل الإمارات أكثر من 200 ألف زائر كوري جنوبي بشكل سنوي، وتستثمر في الإمارات أكثر من 40 شركة كورية جنوبية في مجالات متعددة منها التمويل، والتأمين، والتجارة، والإنشاءات. وفي أبريل عام 2022، اتفق مصرف الإمارات المركزي والبنك المركزي في كوريا الجنوبية، على تجديد الاتفاقية الثنائية لمقايضة عملات البلدين، وتتيح الاتفاقية التي تم توقيعها لأول مرة في عام 2013 للطرفين مواصلة مقايضة العملات المحلية بما يصل إلى 20 مليار درهم و6.1 تريليون وون كوري لمدة 5 سنوات، بدأت من تاريخ 13 أبريل 2022، مع إمكانية تمديدها بموافقة متبادلة من الطرفين.وأوضح الدكتور صادق أن الإمارات تعمل على الاستفادة من خبرات كوريا الجنوبية من أجل توطين الصناعات التكنولوجية على أراضيها، وفي المقابل تعمل كوريا الجنوبية على الاستفادة من الانفتاح الاقتصادي لدولة الإمارات باعتبارها واحدة من عمالقة صناعة النفط في العالم، وهو ما يعزز نوع من التبادل المعرفي والصناعي بين البلدين.
توافقالدكتورة نادية حلمي، الخبيرة في الشؤون الآسيوية، فأوضحت لـ«الاتحاد» أن العلاقات الإماراتية الكورية الجنوبية واحدة من أقوى وأنجح العلاقات الإقليمية والدولية، ويعتبرها المراقبون نموذجاً مثالياً للعلاقات الشاملة بين الدول، وهو ما يظهر في حرص أبوظبي على دعم سيؤول، واهتمام سيؤول بدعم أبوظبي في مختلف المحافل والمناسبات الدولية. وحرصت كوريا الجنوبية على دعم دولة الإمارات لاستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «أيرينا» في عام 2009، إضافة إلى دعمها لاستضافة الإمارات لمؤتمر الأطراف حول التغير المناخي (كوب 28) خلال نوفمبر المقبل. وأشارت الخبيرة في الشؤون الآسيوية إلى أنه بعد تأسيس العلاقات الثنائية بين الإمارات وكوريا الجنوبية في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وافتتاح سفارة الإمارات في العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول في عام 1987، تميزت العلاقات بين البلدين بالقوة والثبات، وشهدت تبادلاً واسعاً للزيارات بين كبار المسؤولين في إطار سعى البلدين لتطوير العلاقات وتعزيز التعاون المشترك في المجالات كافة. وأوضحت أن الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط تتمتع بعلاقات شراكة استراتيجية مع كوريا الجنوبية، وقد برز التعاون المشترك والتوافق في الرؤى بين البلدين من خلال الدور الذي تمارسه كوريا الجنوبية إلى جانب دولة الإمارات في القضايا ذات الطابع الدولي، ومنها قضايا المناخ والإسهامات في المشاريع الخيرية المشتركة بين البلدين.
فاعليةأشاد السفير حسين هريدي، المساعد الأسبق لوزير الخارجية المصري، في تصريحات لـ«الاتحاد» بتطور العلاقات الثنائية بين دولتي الإمارات وكوريا الجنوبية، وهو ما يعكس رغبة قيادات البلدين في تعزيز وتعميق العلاقات المشتركة، والارتقاء بها إلى مراحل متقدمة من الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات، لا سيما في ظل تنامي قوة وفاعلية الدور الإقليمي والدولي لدولة الإمارات، وهو الأمر الذي يدفع الجانب الكوري الجنوبي إلى تعميق وتنويع العلاقات مع الجانب الإماراتي من أجل تبادل المصالح والخبرات.وتأسست العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وكوريا الجنوبية في الثامن عشر من يونيو عام 1980، وهو العام الذي شهد افتتاح سفارة جمهورية كوريا الجنوبية في أبوظبي.ولاحقاً، شهدت العلاقات الإماراتية الكورية الجنوبية قفزات نوعية وهائلة من التطور، حتى بلغت هذه العلاقات في عام 2009 مرحلة الشراكة الاستراتيجية، وفي قفزة نوعية أخرى تطورت العلاقات بين البلدين في عام 2018 إلى شراكة استراتيجية خاصة، وتعددت مجالات وقطاعات التعاون المشترك على الصعد كافة.
تشاورأكد الدبلوماسي المصري حسين هريدي، أن العلاقات الثنائية بين الإمارات وكوريا الجنوبية تدعمها أعراف وقيم دبلوماسية قائمة على الاحترام المتبادل، والتشاور المستمر، والتوافق في المواقف ووجهات النظر حيال العديد من القضايا الإقليمية والدولية، إضافة إلى المصالح المشتركة المتنامية بشكل ملحوظ، وغيرها من المقومات والعوامل التي تؤكد أن العلاقات بين البلدين مرشحة لمزيد من التطور في ضوء الإرادة السياسية لتعزيز هذه العلاقات.وسعى البلدان إلى تعزيز العلاقات المشتركة عبر قنوات عدة وآليات للحوار والاجتماعات، أبرزها الحوار الاستراتيجي بين وزارتي الخارجية في البلدين، واجتماع (2+2) بين وزارتي الخارجية والدفاع، والمشاورات رفيعة المستوى بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، واجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة.وأوضح السفير هريدي أن تطور العلاقات الإماراتية الكورية الجنوبية من أبرز النتائج الإيجابية المترتبة على نجاح الدبلوماسية الإماراتية في تنويع علاقاتها الخارجية مع الدول كافة، ما جعل للإمارات بصمات واضحة في شتى أقاليم العالم.
تعاون ثقافيلا يقتصر التعاون بين الإمارات وكوريا الجنوبية على الجوانب السياسية والاقتصادية فقط، وإنما يمتد أيضاً إلى الجوانب الثقافية في ظل وجود قواسم إنسانية مشتركة بين البلدين.وفي الأعوام الأخيرة، تعددت أوجه التعاون الثقافي بين الإمارات وكوريا الجنوبية، كان من بينها إطلاق مبادرة الحوار الثقافي الإماراتي الكوري الجنوبي في عام 2020، وقد تم تمديده لعام 2021 بسبب تفشي جائحة كورونا، وفي عام 2019، حلت الثقافة الكورية ضيفاً على مهرجان أبوظبي.وقبلها، وتحديداً في عام 2016، احتضنت الإمارات أول مهرجان كوري جنوبي للاحتفاء بالإرث الثقافي الكوري وتقديمه للمجتمع الإماراتي من خلال الفنون وعروض الأداء وفن الطهي، وفي العام نفسه تم افتتاح المركز الثقافي الكوري في أبوظبي.وكانت دولة الإمارات وكوريا الجنوبية وقعتا في عام 2007 اتفاقية تعاون مشترك في المجال الثقافي.
زيارة مهمةأكدت نادية حلمي، الخبيرة في الشؤون الآسيوية، أن زيارة الرئيس الكوري الجنوبي، يون سوك يول، إلى دولة الإمارات تهدف إلى تعزيز علاقة استراتيجية جديدة بناء على الثقة المتراكمة بين الجانبين، ودعم عدد من المشروعات التنموية والاقتصادية الاستثمارية المشتركة، وأهمها مشروع محطة «براكة» للطاقة النووية السلمية التي تمثل رمزاً للتعاون بين الجانبين.ويُعتبر مشروع محطات «براكة» للطاقة النووية السلمية الذي جرى توقيع عقده في عام 2009 أحد أهم أوجه التعاون بين الإمارات وكوريا الجنوبية، وهو أول مشروع بناء محطات للطاقة النووية خارج كوريا الجنوبية، ويعكس هذا المشروع العملاق مدى الثقة والتفاهم المتبادل بين البلدين.وأوضحت حلمي أنه من ضمن أهداف زيارة رئيس كوريا الجنوبية إلى الإمارات، العمل على توسيع سبل التعاون الثنائي، وتجسيدها في مجالات رئيسة، أهمها تطوير مجال الطاقة النووية، وأمن الطاقة، فضلاً عن التعاون في مجال الاستثمارات والمشروعات المشتركة بين البلدين.وتوقعت بأن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التعاون في كثير من المجالات بين الإمارات وكوريا الجنوبية، لا سيما في مجالات تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى حدوث شراكة وتعاون بين وزارة الاقتصاد الإماراتية ووزارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة والأعمال المبتدئة في كوريا الجنوبية، بشأن التعاون في مجالات المشاريع الصغيرة والمتوسطة والابتكار.

Share it on