ذاكرة المآذن والقباب ٢

ما يقرب من ٣ سنوات فى الإتحاد

المساجد دائماً تحد من توحش المدن، وذهابها في غرورها اللامع، تفرض عليها شيئاً من الطُهر، وتعطيها بعضاً من الوداعة لحين، وتخلق سكناً ومطمَئناً للمتعبين في دروبها. من مساجد المدن الجميلة مساجد القاهرة، تلك المدينة التي حملت نعتاً هو أم الألف مئذنة، الجامع الأزهر، ومسجد ابن طولون الذي هندس عمارته مهندس قبطي، يدعى «سعيد بن كاتب الفرغاني»، ومسجد الحسين، وأقدم مساجدها مسجد عمرو بن العاص الذي كان يطلق عليه أسماء مختلفة، تاج الجوامع، والمسجد العتيق، ومسجد الفتح، وهناك مسجد الرفاعي الذي يضم قبور أسرة محمد علي، في حين صاحب المسجد مدفون في بغداد، ومسجد السلطان حسن، ومسجد سادات قريش الأثري، وقد لا تحصى مساجد القاهرة لكثرتها وتميزها والتصاقها بأحداث التاريخ. والزائر لمساجد بغداد يرى جمالاً آخر في فن العمارة والنقش والخط، وتكاد تتقارب مع مساجد إيران، وحضور ذلك اللون الأزرق الفيروزي، والقباب المذهبة، ومن أهمها: مسجد سامراء، ومسجد الإمام الأعظم، ومسجد أم الطبول، وتختلط في العراق المساجد بالمراقد والقبور للسادة والأئمة والمتصوفين. والزائر لصنعاء لابد وأن يتوقف عند جامع الجند الذي بناه الصحابي معاذ بن جبل، رضي الله عنه، والجامع الكبير، ومسجد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، ومسجد العامرية في رداع، وفي صنعاء القديمة والتاريخية تتوزع مساجد بأعمار ومساحات مختلفة، مثلما هو الأمر في بخارى وسمرقند وطشقند وفرغانه، وغيرها من مدن أوزبكستان التاريخية الأخرى، حيث هناك المساجد ومراقد السلاطين أو العارفين، والمدارس التاريخية تتجاور مع بعضها، وتكاد تتشابه في عمرانها، مثل ضريح «تيمور لنك»، وهو لقب لا يحبه سكان آسيا الوسطى جميعهم، ويفضلون عليه لقب الأمير تيمور، لأن «لنك» تعني الأعرج، وقد أطلقه عليه أعداؤه، ومرقد «زانك أوتاه» ومدرسة «براك خان» في طشقند، وقد بدأت مساجد جديدة تتعمر في بلدان آسيا الوسطى بعد انفصالها عن منظومة الاتحاد السوفييتي السابق، مثل مسجد «دوشنبيه»، ومسجد «سلطان نزار باييف» في «آستانه»، إضافة لمساجد تاريخية قديمة يسعون إلى ترميمها، وإعادة الأذان والحياة فيها، وقد زرت منذ سنوات جامع «كوالالمبور»، ومتحف المساجد في العالم الإسلامي، حيث المجسمات لأهم وأشهر مساجد الدنيا، ولم أر مجسماً لمسجد الشيخ زايد، وطلبت مناشداً المسؤولين عنه، واستجابوا على الفور، لأنه مهم أن نتواجد ولو في مكان صغير، لكن لا نغيب، حيث يحضر كل العالم، أما مسجد «جاكرتا» فيعد الأضخم في آسيا، ويمتاز بالتنظيم الدقيق والنظافة العالية والترتيب في كل شيء، ومن روائع المساجد وأجملها مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء، والمسجد «الأعظم» الجديد في العاصمة الجزائر، حيث يعد الأكبر في أفريقيا، ولا شيء يضاهي مساجد إسطنبول والمدن التركية، حيث تمتاز بنمط عمراني مختلف ومميز، وبخطوط أمهر الخطاطين والنقاشين، حيث يعد كل واحد منها تحفة معمارية في غاية الجمال، وآخر هذه المساجد الذي بناه أردوغان في إسطنبول الآسيوية والذي يأخذ بتلابيب النفس ويصعد بها عالياً لما فيه من جمال ومعمار وروحانية جديدة، وهناك مسجد «حاج بابا» في بومبي، ومساجد جميل في باكستان، وفي الإمارات مساجد قديمة مكتشفة آثارياً تعود للعصر الإسلامي الأول، ومسجد البدية القديم، وأحدثها مسجد الشيخ زايد، ومسجد الشيخ خليفة، رحمهما الله، ومساجد الشارقة المتنوعة، أما في مدينة سراييفو فهناك المساجد التاريخية القديمة والتي تجد بين كل مسجد ومسجد مسجداً، وأصبحت عواصم العالم الغربي تزهو بمساجد جميلة مثل مسجد باريس ومسجد لندن وغيرهما، وخير ختام لجولة المساجد كانت زيارة لمسجد قبة الصخرة، والمسجد الأقصى في القدس، حيث فقدت شيئاً من التوازن الجسدي، وكأن الدنيا تدور بي، ولولا تلك الرحى الثقال التي ترزّ ذلك الشيخ الفاني المتفاني الذاهب بسبحانيته نحو الصفاء، المتسربل بالبسملة وآيات الحمد، لخطفت روحه، لكنها تلك السجدة الأولى والتي تمنيت لو أن الركوع يمتد، والسجدة تطول.. وتطول حتى يتمرغ صدغك بتراب المسجدين!

شارك الخبر على