«رقمنة الثقافة» ذاكرة عصرية للتراث والفنون
حوالي ٣ سنوات فى الإتحاد
محمد عبدالسميع (الشارقة)
من وجهة نظر خبراء وكتّاب وفنانين وأدباء، فإننا تجاوزنا النظرة القديمة والمتهيّبة أو المتحوّطة تجاه «الرقمنة»؛ إذ يمكن وعن جدارة استثمارها لنشر نتاجنا الإبداعيّ وفنوننا وآدابنا وتراثنا الأصيل، وترجمة كلّ هذا إلى «الآخر»، والأخذ عنه أو تبادل طرق المعرفة الإنسانيّة، وأساليب الحفظ والاسترجاع والتحسين والتجويد من وسائل إلكترونيّة، ومنصّات رقميّة ذات شهرة فاقت المتصوّر، ولا يمكن الوقوف قبالتها بشكل محايد.عالم جديد يلقي بظلاله المعرفيّة علينا جميعاً؛ وما كنّا نحفظه ونتعب في استعادته إلى الأجيال عن طريق المكتبات التقليدية - على أهميّتها وبقائها حيّةً في الاستخدام والرجوع والتوثيق - يمكن اليوم بسهولة أرشفته رقميّاً وتبويبه أو تصنيفه وقراءة مؤشراته ومخرجاته ومستخلصات المقاربات أو المقارنات بين الحقول والمفردات، خصوصاً وأنّ تراثنا العربيّ جدير بكلّ احترام لكي يتهيّأ بقنوات حديثة وأصالة معروفة فيكون بين أيدي أبنائنا الذين هم عدّة المستقبل ويحتاجونه، ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن يهجروه أو يزهدوا به، ويكونوا غرباء عنه.كيف يمكن أن أحسّن من المحتوى، وأجوّد في الصورة والأداء، وأحفظ اللغات من الاندثار، والهويات الفرعيّة العربيّة الأصيلة في العادات والتقاليد والتراث الثقافي المادي وغير المادي من الهروب من ذاكرة الأجيال؟!.. هذا أمرٌ مرهون بمدى الرؤية والتوجّه نحو ولوج هذا العالم الذي سمح لكلّ مفرداته بالتواصل، آخذين بعين الاعتبار أنّ لنا ما يميّزنا كأمّة وحضارة جاءتها فرصة من ذهب لكي تحوّل ما هو محلّ تخوّف وقلق إلى عطاء معرفي وثقافي وأدبي وفني وفكري ولهجي عربي، بما يحمله ذلك من تراث عريق، خصوصاً وأنّ التجربة الإماراتيّة ثريّة وذات حضور من خلال رؤيتها ومؤسساتها وحواضنها الرقميّة في هذا المجال.
علي العبدان
مصادر رقميةيتساءل الناقد والفنان التشكيلي علي العبدان، أنّه، وبما أنّ الرقمنة باتت من أساسيّات حياتنا، فهل امتدّ تأثيرها إلى حياتنا الأدبيّة والفنيّة؟ مؤكّداً أنّ المصادر والكتب المرقمنة باتت تشكّل مصدراً مهمّاً لنا، تماماً مثل الكتب الورقيّة والمصادر المطبوعة، مدللاً بظهور ما يسمّى الموسيقى المرقمنة وموسيقى اللابتوب والفنّ الرقمي التفاعلي، وظهور معارض فنيّة كاملة الرقمنة، كما يدلل العبدان بالترجمة المرقمنة على نطاق واسع، مع وقوفه أمام الترجمة وسلبيات الاستعجال في تنفيذ السيئ منها وما لا يوجد فيها إتقان أدبي أو معرفي.وحول كيفية التعايش مع هذا العالم الرقمي، وإيصال الآداب والفنون والمعارف التراثيّة إلى الأجيال القادمة، يذكر العبدان تجربة (التراث الثقافي) الذي أقيم خلال أيام الشارقة التراثيّة قبل سنوات وجذب الأطفال واليافعين في التعرف على التراث والدخول إليه كعالم مليء بالمتعة المعرفية الافتراضيّة.لكنّ العبدان يدعو ومع كلّ ذلك إلى الاهتمام باكتساب خبرات حياتيّة ومعرفة بالتاريخ والأدب المقارن وكل العلوم الأخرى وأساسيات المعرفة، لأنّ رقمنة المحتوى الأدبي والثقافي ليست سوى وثيقة، مهتماً بالفائدة من المحتوى المعرفي العلمي والمحقق، وإلا كنّا أمام حفظ إلكتروني فقط لا يؤدي إلى آفاق إنسانيّة جديدة.
مريم الهاشمي
مرحلة جديدةترى الكاتبة مريم الهاشمي أنّ الرقمنة كعملية تحويل ما هو مادي إلى مخرجات رقميّة، تجعلنا أمام مرحلة جديدة في انتقال العالم إلى الاقتصاد الرقمي، وهو بالتأكيد ليس أمراً رفاهياً، بل حتمية للتغيرات العالمية، لذا تعاظم الاهتمام بالرقمنة في مجالات عديدة وتغيّر السلوك في تعاطيه مع أشياء كثيرة، لدرجة أننا أصبحنا أكثر مرونة وتقبلاً لما يخدم أهدافنا الإنسانية والحضارية، أمّا تراثنا فمن المهمّ أن يبقى حيّاً أمام هذا الفضاء الواسع من البرمجيات والتكنولوجيات المتسارعة.وتؤكّد الهاشمي أنّ الرقمنة سبيل مهم من سبل الحماية للتراث وحفظه من أطماع ربما تشكل خطراً عليه، خصوصاً ممن لا يدركون معنى وقيمة الفن والثقافة في حياة الشعوب، فنحن بحاجة فعلاً إلى التخزين الرقمي للمعلومات واسترجاعها ووضعها في خدمة المتلقين في ميادين ثقافية وفنية وفي غيرها من الميادين والمجالات.
فاطمة المزروعي
وتؤكّد الكاتبة فاطمة المزروعي ما للرقمنة كعمليّة مهمّة جداً من دور في هذا العصر الذي نعيش، نظراً لأهميّة إثراء المحتوى الرقمي وزيادة انتشاره، فالرقمنة تسهّل من وصول هذا المحتوى إلى كلّ شرائح المجتمع، أمّا فيما يخصّ المجال الأدبي الذي رأته هذه الأيام أكثر انفتاحاً على مختلف الأجناس، فبالتأكيد أصبح التواصل فيه سهلاً بوجود كم هائل من التقنية، وباعتبار الفن والموسيقى على صلة كبيرة بالأدب، فمن المهمّ مواصلة عملية الرقمنة كعملية ضرورية ومُلحّة تحفظ المفردات الأدبية والفنية والتراثية والإبداعية من الضياع، خصوصاً بالنسبة للأجيال التي يجب أن نصل إليها من خلال وسيلة فاعلة ومعاصرة تذكّرهم بكلّ هذا المنجز الثقافي وحقوله المتنوعة.
تحسين الفن والصورةوتشير فاطمة المزروعي إلى أنّ العشرات، بل المئات من الفنانين والأدباء تمّ التعرّف عليهم من خلال المنصّات الرقمية، في أشعارهم وكتاباتهم وأدبهم وفنّهم، ولولا الرقمنة ما كان هذا التواصل والتمازج اليوم مع أدب الشعوب، وأهميّة ذلك تأتي من أنّ هذا الأدب والموسيقى والفن العربي سيقرأه الآخرون ويتعرّفون عليه، فنحن نمتلك أدباً عظيماً يتسم بالتنوع والثراء ومن الضروري أن نسعى لنشره عبر هذه المنصّات.وترى أنّ ميزة المنصّات الرقميّة أنّ العالم الرقمي يمكن الكتابة فيه في أيّ وقت، وحذف المقاطع أو إضافتها واستكمال النصوص أيضاً، بما تهيئه الرقمنة من فرصة لتحسين الفن وتجويد الصورة وتشكيل الخبرة الجمالية، وهو ما يستطيع الجيل الجديد تعلّمه عن طريق قنوات التواصل واليوتيوب والتواصل مع الجماهير والاستفادة منهم ومن آرائهم في أكثر من مجال.وتنظر المزروعي للإنترنت على أنّه حاضنة ووسيلة مهمّة جداً لتداول الفنون والموسيقى والأدب، بما يحظى به من حضور، مثل (نتفلكس)، و(يوتيوب) ومنصّات أخرى باتت وجهةً للملايين، لمتابعة الفنون والموسيقى وآخر صيحات الموضة، فأصبحت ذائقة الإنسان مرتبطة بالمكتبات الرقمية على الإنترنت، للحصول على المعلومة، أمّا الورش الفنية في المسرح والموسيقى وكتابة السيناريو، فقد أسهمت في تطوير الفن وتنمية المهارات الإبداعيّة وعرض المواهب ومهارات الفنون والتمثيل والموسيقى، ولذلك فإننا نشهد اليوم تطوراً كبيراً في مجال الرقمنة وحفظ النتاج الأدبي وإتاحة المواد الثقافية بشكل أوسع.
عبدالعزيز المسلّم
الرؤية والتوجّهويدعو المسلّم إلى الولوج إلى مواقع التراث وتصفّح محتوياتها ونوافذها ومقتنياتها، ومتابعة نشاطاتها من قبل المهتمين والمجتمع، باعتبار التراث قضيّة ترتبط بالأصالة والفكر والهوية والوجود والكينونة الإنسانيّة، فكم من شروحات كنّا نجدها إلكترونياً، شريطة أن نعرف إلى أين نتوجّه في هذا المجال، بمعنى معرفة الموقع الصالح والنافع والموضوعي كمصدر من مصادر المعلومة والخبر في مجال التراث.ويؤكّد المسلم أنّ الإمارات وصلت إلى مراتب عالية في هذا المجال، ومؤشرات ونسب تدعو للاعتزاز والمباهاة بتراثنا الغنيّ المادي وغير الماديّ منه، فالشعر والأمثال والحكايات والقصص جميعها شواهد تراثيّة تنفعنا في قادم الأيّام وتدلّ على تراث غني ومجتمع مثقف على الدوام.
أحمد عادل زيدان
تحديات الهويةويقول د. أحمد عادل زيدان: إنّ التراث الثقافي غير المادي يواجه جملة من المخاطر والتحديات الكبيرة والجسيمة التي تشكل عوامل تهدد بقاءه واستمراره، بسبب تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصاديّة، وهو ما يستدعي الانتباه لتوجيه الاهتمام بالشكل المناسب نحو هذا التراث لضمان الحفاظ عليه، بما يستلزم ذلك من وسائل وآليات.ويشير د. زيدان إلى أنّ دراسات معيّنة وضعتنا أمام لغات مهددة بالانقراض، لافتاً إلى أنّ من بين 7139 لغة معروفة، هناك 3018 لغة مهددة بالانقراض، وأنّ هناك لغة ما تموت كل 40 يوماً، مع توقعات بارتفاع مسار الخسارة إلى 16 لغة سنوياً بحلول عام 2080 و26 لغة بحلول منتصف القرن القادم، وهو ما يلحّ علينا بضرورة العمل على إيجاد بيئة عصرية لمواجهة التحديات عبر استثمار الأدوات والوسائل التي وفّرتها التكنولوجيا الرقمية، كالمسح ثلاثي الأبعاد والنمذجة الرقمية وتقنية إعادة البناء الافتراضيّة والإسقاط الهولوغرافي والواقع المعزز والطباعة ثلاثية الأبعاد.وباستخدام كلّ هذه التقنيات والأدوات يمكن ترسيخ الهوية الثقافية للبلدان وتعزيز تراثها والحفاظ على مواردها وإشعار المثقفين بعدم الغربة عن هويتهم الأصيلة وتاريخهم الأدبي، بما يحمله من قيم وجماليات فنيّة أيضاً، فنكون أمام عملية إدارية ناجعة في ذلك تؤمن بتوعية المجتمع والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في حماية التراث وصونه وتقديره كما ينبغي له أن يكون في نفوس الأبناء والأجيال.
أيام الشارقة التراثيةوينطلق رئيس معهد الشارقة للتراث الباحث والأديب عبدالعزيز المسلّم من أنّ معاندة العصر العلمي أمر لا يقرّه اثنان؛ لأهميّة ذلك في رفعة الشعوب وتقدّمها، ليس في التراث أو الأدب أو الفنون، فقط، وإنّما في كلّ مجالات الحياة.ويشير المسلّم إلى تجربة أيّام الشارقة التراثية واهتمامها بالأجيال، مؤكداً أنّ الناس اليوم تحتاج إلى سرعة المعلومة والإشارة اللافتة وتطلب سرعةً في الأداء التعريفي بقيمة التراث ومحتوياته وكنوزه الأصيلة، وأيضاً بتقريب المعنى والشروحات للزوّار والأجيال، ولإتاحة المجال للباحثين أنفسهم لكي يفهموا تراثهم بأيسر الطرق العلمية على حواضن سهلة لا تكلّفهم جهوداً تقليدية كانت تبذل على سبيل المثال بأساليب تقليدية تحتاج وقتاً طائلاً، ولهذا فإنّ العاملين في حقل الإدارة التراثيّة والمتلقين هم سواء وشركاء في ترويج التراث وتسويقه، فإذا ضمنّا الطريقة السريعة والمشوّقة بأثيراتها التقنية الحديثة، فإننا نكون قد وصلنا إلى مستوى متقدّم ومتعة أكثر في تلقي التراث وفهمه والترويج له.