قبسات من الحكم العطائية 5
about 9 years in التحرير
وانقضت أيام الشهر الكريم، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، شهر حاول المؤمنون فيه تحصيل التقوى بالاحتراز من المعاصى والذنوب على الأقل فى نهار رمضان.
نحلق معًا فى آخر حكمة نتناولها فى هذا الشهر من حكم بن عطاء الله، وربما تبدو تلك الحكمة مناسبة لنهاية هذا الشهر وبداية عام جديد فى أعمارنا، بعد أن تطهرت قلوبنا وتزكت نفوسنا وتخففنا من الذنوب والمعاصى، متزودين بطاعته عسى تبلغنا رضاه تعالى.
حكمتنا تقول "الستر على قسمين: ستر عن المعصية وستر فيها، فالعامة يطلبون من الله الستر فيها خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، والخاصة يطلبون من الله الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق".
من الثابت فى ديننا أن الله تعالى سِتِّير يحب الستر، واتفق فقهاء المسلمين على أن المسلم إن تلبث بمعصية أو وقع فيها وزلت قدمه، فإن المطلوب منه شرعا -إذا ستره الله- أن يُبقى ستر الله عليه، فلا يحدث أحدا بما وقع فيه حتى وإن كانت معصية كبيرة تستوجب حدا، فقد صح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه تجاهل اعتراف ماعز بالفاحشة التى تورط فيها وأعرض عنه مثنى وثلاث، ونبهه بالإشارة والتصريح إلى أن الأولى به أن يستر نفسه وأن يطوى الحديث عما وقع منه.
تأمل فى أحوالنا تجد من يجاهر بالمعصية ويفاخر بها فى ناديه وبين قومه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يروى الشيخان والنسائى وأحمد من حديث عبد الله بن عمر «أن الله تعالى يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس (أى يوم القيامة) ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا يوم كذا فيقول: نعم أى رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى فى نفسه أنه قد هلك، قال: فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه...» الحديث
ومن هنا كان دأب المؤمنين على اختلاف درجاتهم ورتبهم فى الإيمان والالتزام أن يسألوا الله الستر.
غير أن المؤمنين يختلفون فى نوع الستر الذى يتفقون جميعا فى رجائه والدعاء به من الله تعالى.
فأما عامة الناس من أمثالنا، فإن دأبهم أن يسألوا الله، عز وجل، أن يستر قبائحهم ومعاصيهم عن الناس، حتى لا يفتضحوا بينهم فهم أشد خشية للناس من الله.
أما الخاصة من الناس، وهم العلماء الربانيون من السلف الصالح، فإن دأبهم أن يسألوا الله عز وجل، ألا يفتضحوا بين يديه بأن يراهم متورطين فى المنكرات التى حذرهم منها أو ذاهلين عن الواجبات التى أمرهم بها.
وشتان ما بين ستر العوام وستر الخواص، فالفئة الأولى همها ألا يفتضح أمرها بين الناس، أما الثانية فكل همها ألا يفتضح أمرها عند الله، فإذا تبين لك ما يعنيه ابن عطاء الله بهذه الحكمة فاعلم أنه يرد بعض الإشكال على ذلك:
الإشكال الأول أن الفريقين من المؤمنين، عواما وخواصا، يتعرضان لحالين اثنتين، إحداهما أن يكون المؤمن من الفريقين معافى من المعاصى والذنوب كلها، والمفروض فى كل منهما فى هذه الحال أن يسأل الله دوام العافية، إذ لا يتصور من المؤمن الصادق فى إيمانه أن يتطلع وهو فى حال العافية إلى وقوع معصية منه، على أن يستره الله تعالى عن الناس فلا يعلموا شيئا من حاله.
ثانيتهما أن يكون المؤمن قد اقترف بعض المعاصى سواء كان من العوام أو الخواص، وأنت تعلم أنه ليس فى الناس معصوم إلا الرسل والأنبياء، فلا بد أن يكون الستر الذى يسألونه الله عز وجل، هو الستر عن أعين الناس وأسماعهم، كى لا يفتضح أمرهم بين الخلق فقد آل الأمر إذن إلى أن الستر الذى يسأله المؤمنون ربهم من أى الفريقين ستر واحد، أى بمعنى واحد قبل تورطهم فى المعاصى وهذا جائز، يسألونه الاستمرار فى الثبات على الطاعات والابتعاد عن السيئات، أما بعد تورطهم فى شىء منها وهذا أيضا جائز، فيسألونه أن يمد عليهم ستائر ستره عن الناس وأن لا يفضح لهم شأنا، هو وحده المطلع عليه من دونهم.
الإشكال الثانى أن الخاصة من عباد الله وهم العلماء الربانيون، لا تكاد تمر بهم حال يرون أنفسهم فيها متحررين من السيئات والعصيان، بل إنهم أقرب إلى اتهام أنفسهم بأنواع السيئات من اتهام العوام أنفسهم بها، إذا العوام لا ينتبهون إلا إلى تلك المعاصى الظاهرة التى تجر وراءها ذيولا من الأخطار والآفات والنتائج، فإن لم يتعرضوا لشىء من تلك العواقب لم تر عيونهم أنهم قد ارتكبوا معاصى وقد تبلدت مشاعرهم عن الإحساس بوقوعهم فيها، أما الخواص منهم فهم فى كل أحوالهم وتقلباتهم لا ينفكون عن مراقبة أنفسهم واستشعار عظيم حق الله عليهم، يتهمون أنفسهم بالتقصير ويرون أنفسهم مثقلين بالسيئات والأوزار.
قالوا فى ترجمة سيدى الشيخ عبد القادر الجيلانى أنه رُئى يومًا فى الطواف ملتصقا ببيت الله الحرام، بالملتزم، يقول: اللهم إن لم تغفر لى ذنوبى يوم القيامة وكان فى قضائك أن تأخذنى بجريرتها على رؤوس الأشهاد، فأسألك اللهم أن تحشرنى أعمى حتى لا أفتضح أمام عبادك الذين يعرفوننى ويحسنون بى الظن اليوم.
الإشكال الثالث ما ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال "استقيموا ولن تحصوا..." الحديث، والمعنى احرصوا على الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه، واعلموا أنكم لن تنالوا درجة العصمة فى ذلك، بل سيظل التقصير فى حقوق الله وأداء أوامره هو شأن الإنسان وديدنه، إذن كيف يطمع المقربون إلى نيل العصمة وهى مستحيلة فى حقهم.
الجواب عن الإشكالات الثلاثة أن المقربين من عباد الله إليه يخجلون إذ يتلبسون بالمعصية من رؤية الله لهم وهم على تلك الحال، أضعاف الخجل الذى يساورهم من رؤية الناس لهم وهم متلبسين بتلك المعاصى حتى لا يقعوا فى ذمة الله لبعض عباده
"وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون".
شعورهم بالخشية مستقر فى أعماق الضمير يهابون الحق وحده، وليس الخلق.
اللهم املأ نفوسنا بخشيتك ومحبتك وإجلالك، حتى لا تكون أهون الناظرين إلينا فى نفوسنا.. آمين، والحمد لله رب العالمين.