وحيد حامد أغضب الجميع
حوالي ٨ سنوات فى التحرير
في مسلسله الأخير الجماعة 2الوفد غاضبون وقالوا أنه أهان النحاس باشا ، وأن النحاس ماكان ليقبل يد الملك ، الناصريون في قمة الغضب وهم الأكثر غضباً علي الإطلاق ، ولولا مكانة وحيد حامد وحروبه المستمرة ضد الإرهاب ، وكراهية للإخوان المسلمين كراهية التحريم ، لاتهموه بأنه خلية نائمة ، ولكنهم لم يصمتوا ، فانهال عليه النقد اللاذع ، حتي عبدالله السناوي انتقد المسلسل ، بالطبع الإخوان غاضبون لأنه أظهر علاقتهم الخفية بالأجانب سواء الأمريكان والإنجليز ،وأنهم يلعبون علي كل الحبال ، وبالطبع أثبت تورطهم في محاولة اغتيال ناصر في 54 ، التي يدَّعون علي الدوام أنها تمثيلية .
حتي كارهوا الإخوان ، اعتبروها تٌجمل وجه الإخوان ، وتطرق علي المظلومية التي يعملون عليها دائماً وأظهر التعامل الخشن من قبل الثورة تجاه الإخوان في السجون .
سامي شرف وكل رجال ناصر القدامي ، نفوا بشدة عضويته في جماعة الإخوان المسلمين ، ونفوا بشدة فكرة سيطرة سيد قطب علي مجلس قيادة الثورة الذي ظهر في الحلقات الأولي ، قبل أن يدب الشقاق بين قطب ورجال الثورة لاحقاً .
واعتمدوا علي السير الذاتية لرجال الثورة ،وعلي رواية ناصر نفسه لأحد الجرائد عن علاقاته قبل الثورة سواء بالوفد أو مصر الفتاة أو الإخوان المسلمين وأنها كانت علاقة معرفة لا علاقة عضوية وبيعة .
وهذا يعيدنا إلي فكرة كتابة التاريخ ، فالتاريخ ليس دائماً منصفاً ، والسير الذاتية ليست موضوعية بكل تأكيد ، ربما جلال أمين كان أكثر صدقاً في روايته لتاريخه عندما تحدث عن مثالب وإخفاقات ، المسيري كان أكثر صدقاً عندما عنون كتابه ، سيرة غير ذاتية وغير موضوعية ، واعتبر التحيزصفة إنسانية جيدة ، ولا يجب التبرؤ منها .
مايلفت الإنتباه هو حالة الرفض التام ، من كل طرف لتفسير الطرف الآخر ، رغم أنها ليست وجهات نظر ، ولكنها روايات تاريخية ، بالتأكيد مختلفة ومتضاربة أحياناً ، وكان لوحيد حامد اختياراته الخاصة وترجيحاته ، وهو عمله الإبداعي وهو يخصه ، ولا يجب أن نتعامل مع الموضوع بكل هذه الحساسية .
نفس هذا الأمر يحدث مع بقية الدراما ، فالقضايا ترفع كل يوم ضد هذا المسلسل وهذا المسلسل ، علي أساس أن هذا يوجه إهانة للفئة الفلانية أو غيرها من وجهات نظر ، الناس تريد دراما تفصيل ، لا مشكلة لدي من انتقاد أحدهم لهذا المسلسل أو ذاك ، ولكن فكرة القضايا لإغلاق هذا العمل أو ذاك فهذا أمر غريب ومثير للدهشة ، وكأن المسلسلات لها هذا التأثير الكبير علي الوعي ، مع العلم ، أنه مع كثرة المسلسلات وتنوعها ، فنسب المشاهدة ليست بالكثافة المطلوبة ، وموزعة بشكل كبير علي هذا العدد الضخم من الأعمال الدرامية ، ولم يصبح لها هذا التأثير الجمعي الكبير ، ويجب أن توضع في إطارها أنها دراما ، وأنها عمل فني يخص أصحابه .
ولو شاهدنا الأفلام الأمريكية والتي تتحدث سواء عن الأحداث التاريخية ، أو حتي الخيال الذي يطال المؤسسات الرسمية ، فكثير ما أساءات بكل أريحية للإف بي أي أوالسي أي إيه ، أو عن مجموعات داخل هذه الأجهزة ، تتآمر وتعمل ضد أمريكا ، ولم يفكر أحد في مقاضاة فيلم بأنه يهين الإف بي أي أو السي أي إيه ، رغم أنها أعمال سينمائية لكبار الممثلين وتحقق إيرادات كبيرة وتعرض في العالم كله ، بمعني مشاهدات لها طابع عالمي وليس شديد المحلية كما في المسلسلات العربية .
وهذا يعيدنا إلي فكرة التاريخ ، فإذا كنا غير حاسمين لتاريخ مازال بعض شخوصه يعيشون بيننا كسامي شرف ، فما بالنا بتاريخ مر عليه 14 قرن أو أقل سواء تحدثنا عن سيرة الخلفاء ، أو عن الناصر صلاح الدين الذي أثار جدلاً في الفترة الماضية ومازال يوسف زيدان يفرد أوراقه ويتحدث .
التاريخ كقطع البزل ، لابد للقارئ بعد أن يقرأ أن يحلل مابين السطور ، وأن يرجح أحداث ويشكك في أخري ، وأن يركب صورته الخاصة للتاريخ ، سواء احتفظ بها لنفسه كقارئ واعي للتاريخ ، أو فرغها في عمل إبداعي سواء كان روائياً أو حتي سرد تحليلي ، أو عمل فني مصور كالذي نشاهده ، وقدكان هناك رواد لتلك الكتابة منهم جورجي زيدان ، وكذلك العقاد والكثير من الكتاب الذين أفرغوا التاريخ في أعمال روائية ، وهي في النهاية عمل روائي ، يتقاطع مع التاريخ ولا يتطابق معه ، وخاصة أن فكرة التطابق هي فكرة مستحيلة ، لأن المدوَّن ليس بالضرورة هو الحقيقة الكاملة ، إن لم يكن الكذب المطلق .
وبشكل عام تحية لوحيد حامد كمبدع كبير قدم الكثيرمن الأعمال الإبداعية لهذا الوطن ،وربمايكون هذا العمل محفزاً لأطراف أخري أن تقرأ التاريخ بطريقة أخري ، ويكون الحكم في النهاية للمشاهد ، لأن هذه الحقبة مليئة بالأحداث ومليئة بالدراما الحقيقية ، وزوايا الرؤية مختلفة ، والأفلام القديمة مثل في بيتنا رجل وغيره من أفلام الثورة ، هي أشبه بأفلام الشؤون المعنوية ، حتي أفلام الحقبة الساداتية ، الكرنك وخلافه كانت موجهة سياسياً ، وفي صالح السلطات القائمة ، ولا حاجة الآن في هذا العصر المفتوح لهذه الأفلام الدعائية ، إلا إذا كانت أفلام تسجيلية ، وهي واضحة أنها دعائية ، فهذا مقبول في إطاره الدعائي المعلن ، أما غير ذلك ، فهو يتراجع بالإبداع ، ويتسرب المشاهدين من بين أيدينا ، لدراما أخري ،ولسينما مختلفة ، فلا تخسروا المشاهدين ، فنحن في حاجة إليهم .
هل سيسفع الوقت وحيد حامد لتقديم الجماعة 3 التي تأتي بنا من السادات وحتي يومنا هذا ويتحدث عن أحداث أكثر معاصرة ، أم أن الهجوم سيكون عائقاً ومعادياً لأي رويات مختلفة .