حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا
حوالي ٩ سنوات فى أخبار اليوم
والحج فريضة ولكن هذه الفريضة مشروطة لمن استطاع إليه سبيلا.
والسبيل إلى الحج ليس بحرمان الأسرة من أساسياتها حتى يقتصد رب الأسرة للحج، فهذا ليس سبيلا ولكنه أسلوب من الإلحاح على حساب الأسرة، لهذا فلابد أن يكون الحج برضاء من حول الذى يؤدى الفريضة، وليس بإحساسهم بالحرمان حتى يؤدى رب الأسرة الفريضة.
وحج البيت يمكن أن يأتى فجأة بدعوة أو بقدر من الدولة، ولكن دائما يكون السبيل مع الاستطاعة.
والحج فريضة ليست مثل الصلاة والصيام والزكاة، فالصيام والصلاة فريضتان على الغنى والفقير، وهما فى استطاعة البشر، فالجوع والعطش بصبرهما مقدرتان على تأدية فريضة الصيام، لأن الصيام فيه تأمل وفيه حكمة الامتناع عن أشياء دنيوية حسية فيها لذة الطعام والشراب، والحكمة فى الحرمان من اللذائذ هى اختبار للنفس وتأمل المقدرة على ترك الماديات من أجل المعنويات، وكنت وأنا صغيرة أقلد الكبار فى الصيام، ولكن كانت الوالدة رحمها الله ونحن فى العاشرة من العمر تأمرنا بالإفطار عند أذان الظهر لثلاثة أيام، ثم عند أذان العصر فى ثلاثة أيام، ثم نصوم صوما كاملا فى الأيام الأواخر من رمضان، على أن تجعلنا ننام من العصر حتى أذان المغرب.
ويالها من لحظة رائعة حينما نتناول أول رشفة من الماء، وقد كنا نشرب كثيرا حتى إننا لا نستطيع تناول الطعام بعد ملء معدتنا بالماء، لهذا كانت الوالدة تعطينا بعض الماء ثم تتركنا لنأكل.
وكانت الوالدة والوالد يقولان لنا إن الصلاة أولا ثم الصيام وبعدهما حج البيت، ولكنه مشروط بالاستطاعة، سواء المال أو الصحة، على أن نؤدى أعمالنا من خلال الصوم وألا يمنعنا الصوم من أداء أعمالنا، وألا يكون الحج على حساب حرمان الأسرة من الضروريات، فلا يمكن أن يقتصد الأب والأم من تكاليف الطعام حتى يؤديا الفريضة، فكلمة لمن استطاع إليه سبيلا، هى ألا يكون على حساب ضروريات الحياة والأولاد.
لذة الحج
وللحج لذة ومذاق وإحساس رائع بالطواف حول الكعبة المشرفة والسعى بين الصفا والمروة، ثم الارتواء من ماء زمزم، تلك البئر التى جعلها الله ينبوعاً حتى يرتوى الصغير سيدنا إسماعيل من العطش، بعد أن تركه أبوه سيدنا إبراهيم عليهما السلام وأمه السيدة هاجر وذهب وتركهما فى رعاية الله.
لهذا كان تخيل رحلة سيدنا إبراهيم مع زوجه وابنه أثناء تأدية الفريضة هو إحساس رائع بلذة الحج، لأنه ليس فعلا بلا معنى، بل كل خطوة فى الحج لها معنى ولها مدلول، فالسعى بين الصفا والمروة هو تقليد لحيرة السيدة هاجر وقد تركت ابنها يكاد يموت من العطش وذهبت بين الجبلين الصفا والمروة، وحكمة تخيل «السراب» أى الماء ثم تجرى إلى السراب فلا تجد الماء، فتعود ثانياً إلى جبل المروة وهى تتخيل الماء فلا تجد سوى السراب.
وتصاب بالإعياء ثم الخوف على الصغير وتعود إليه فتفاجأ بأن الماء ينبع من بين قدميه الصغيرتين، وأن الله أرسل لها الماء من بين قدمي الصغير والحكمة التى أرادها الله سبحانه وتعالى من السعى بين الصفا والمروة هى أنه لو لم يسع الإنسان لما حصل على ما يريد، لأن هذه الأم التى كاد ابنها يموت عطشا، ظلت تجرى بين الجبلين، وكلما رأت السراب حسبته ماء فجرت إليه، وأخيرا عادت إلى الصغير كما سبق وكان الماء قد سبقها.
وها هى بئر زمزم تروى الحجيج بمائه العذب على مر العصور، وكأن الله سبحانه وتعالى جعله مثلا حسيا لمن يتعب ويكد وفى النهاية يصل إلى ما يرويه.
لذة الحج لمن أدى الفريضة
وحينما قرر زوجى رحمه الله أن نؤدى الفريضة ونحن فى طريقنا إلى اليمن حيث كان يعمل كبيرا لخبراء الأمم المتحدة هناك. وفعلا أحرمنا للحج من جدة وأذكر جيدا أننا أحرمنا من أحد الفنادق وكانت معنا الأستاذة أمينة الصاوى رحمها الله رحمة واسعة، وبعد الإحرام وكان قد بقى عليّ الوقوف بعرفة يوم واحد ، وعلينا أن نطوف طواف القدوم، ولم نجد سيارة خاصة وركبنا مع مجموعة من الحجاج المشاة الذين عبروا البحر وساروا فى جدة حتى يلحقوا بمكة وعرفة، وفعلا استطعنا اللحاق بعرفة قبل قدوم الليل، ولم تكن هناك فنادق وليس فى عرفة فنادق، فاستضافنا رجل طيب فى سيارة نصف نقل وكان معنا ابننا الصغير أحمد الذى أصر على ارتداء بشكير الإحرام مثل أبيه ولحقنا بعرفة فى الساعات الأولى وكانت أصوات التلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)كانت كأنها أصوات تصل من الأرض إلى السماء ومن قلوبنا جميعا.
وصعدنا إلى عرفة حيث الحجيج من كل أركان الأرض البيض والسود والصفر.. والطويل والقصير والغنى والفقير، والكل فى واحد لا تستطيع أن تعرف من منهم الغنى ومن منهم الفقير، لأن ملابس الإحرام واحدة، البشاكير للرجال والجلباب الأبيض للنساء. وكانت (التلبية) كأنها توسل إلى الخالق من مكان طاهر حتى تصل إليه جل شأنه.
ولا أتخيل ولكنها الحقيقة، كنت أشعر بأننى بين يدى الله فعلا وإننى لست فى مكانى على الأرض، ربما كان ذلك الإحساس لأننى قد نزعت عنى كل ما يشغلنى حتى أكون بين يدى الله مغتسلة تماما من كل ما هو دنيوى، إن الإحساس فى الحج مختلف تمام عن الإحساس عند الزيارة العادية أو العمرة، إنه إحساس بالاغتسال التام، أنعم الله به على من لم يجربه وتقبله الله لمن يحج البيت ولمن استطاع إليه سبيلا.
الصلاة فى منى
أما عن الصلاة فى منى، فحدث ولا حرج، فأنت تشعر بأنك فعلا تصلى فى مكان صلى فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودائما أتخيل الصحابة أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعليّ بن أبى طالب وكل الصحابة أجمعين، أتخيلهم فى صلاة جماعة يؤمهم سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام.
أتخيلهم والرسول صلوات الله عليه وسلامه يؤمهم وهم يصلون خلفه وأشعر ببعض الغيرة وأتمنى كما لو كنت معهم، ولكن أعود للقرآن الكريم وأشعر بالأمان والسلام فى حضنه فقد ترك لنا رسول الله كنزا من السور والآيات نستأنس به ويغسل قلوبنا ويشعرنا بالأمان دائما، وكأنه حضن كبير يحتضن العقل والقلب، وكأنه مانع يمنع عنا همزات الشياطين.
معجزة الخلق
فى عام ١٩٨٥ أعلنت مجلة (البارى ماتش) أوسع المجلات فى العالم انتشارا أنها توصلت إلى تصوير تطور الجنين، وفعلا نشرت صور بتطور الجنين مضغة ثم علقة حتى أصبح جنينا.. وعدت إلى المصحف وإلى سورة المؤمنون فوجدت أن القرآن الكريم قد نص فى سورة المؤمنون على معجز الخلق بالتفصيل، وإليكم الآيات العظيمة، بسم الله الرحمن الرحيم (ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرارٍ مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناهُ خلقاً آخر فتبارك الله أحسنُ الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون * ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين).. سبحان الله العظيم، ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟.. إن سورة المؤمنون كأنها درس فى حجرة العمليات لأمراض النساء والولادة لتطور الجنين تماما، سبحان الله العظيم.
قراءة القرآن بعمق وفهم
قرأت القرآن الكريم فى حياتى مثلما كلنا أكثر من مرة، ولكنى منذ ثلاثين عاما أقرأه قراءة شديدة التأنى لأفهم هل هو للتدين فقط أم ليعلم الإنسان ما لم يعلم؟.. ووجدته فعلا أرسله الله على نبيه «صلى الله عليه وسلم» ليعلم الإنسان ما لم يعلم، والقرآن الكريم يحتوى على جغرافيا وتاريخ وطبيعة وفلك وتشريح، وبالطبع لغة شديدة المقدرة، والقرآن يحتوى على تربية وعلى تواصل مع الحياة والقرآن الكريم فعلا لم يغادر صغيرة ولا كبيرة. فى القرآن الكريم أدب الرحلات وأهميتها، وفيه دفع للإنسان إلى أن يصل إلى أهمية الثقافة للإنسان،وليس لدينه فقط، ولكن لكل نواحى الحياة.
وعلى المسلمين أن يقرأوا هذا الكتاب العظيم الذى لا مثيل له، لأن الله أرسله ليقوم الإنسان عقلا وخلقا وثقافة، وعلى الآباء والأمهات أن يدفعوا أولادهم إلى ثقافة القرآن، فهى أعلى ثقافة وهو ليس كتاب دين يحض على المثاليات وطاعة الله وطاعة الأنبياء، ولكنه كتاب لم يغادر فعلا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وعلى الأسرة أن تجتمع لقراءة القرآن وأن تفرد للقراءة مكانا وتأتى بأحد الأساتذة ليشرح الآيات ويزيد فى الشرح على الغرض من نزول الآيات، إن هذا الكتاب العظيم الذى أنزله الله على نبيه، لابد أن يفرد له مكان فى العقول لأنه أهم الكتب لتقويم النفس وجلاء البصر وهدوء النفس.