بناء الكنائس

حوالي ٩ سنوات فى أخبار اليوم

من أهم موضوعات الخلاف بين المسلمين والمسيحيين فى مصر الآن موضوع بناء الكنائس وترميمها، وقد اجتهدت للوقوف على أصل التحريم الذى ينادى به الكثيرون، فرجعت للقرآن الكريم باعتباره المصدر الأول للتشريع فى الإسلام، فلم أجد آية واحدة صريحة تأمرنا بعدم السماح للمسيحيين ببناء الكنائس أو ترميمها. والآية الوحيدة التى ذكرت فيها الكنائس (الآية 40 من سورة الحج) جاء ذكر الكنائس فيها ذا دلالة جميلة. قال سبحانه وتعالى :
«وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا».
لقد جمع سبحانه فى الآية أماكن العبادة فى الأديان السماوية الثلاثة معًا فى سياق واحد، وقال إنها أماكن يُذكر فيها اسم الله. فهل بعد هذا تأويلات؟
وفى السيرة النبوية المشرفة وجدت أن النبى صلى الله عليه وسلم استقبل نصارى نجران فى مسجده، وسمح لهم بالصلاة فيه، وأعطاهم عهداً لا ينهاهم فيه عن بناء الكنائس أو ترميمها. وقد أوصى صلى الله عليه وسلم بأقباط مصر خيراً، ولم يحرم عليهم بناء أو ترميم الكنائس.
يعتمد المتشددون فى آرائهم على العهدة العمرية، التى أعطاها عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس عند فتحها، إذ جاء فيها : « ألا يُحدِثوا فى مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجدِّدوا ما خُرِّب « وقد وردت العهدة العمرية بنصوص مختلفة، بعضها مقتضب وبعضها طويل، مما دعا البعض للتشكيك فى الجزء الخاص بأحكام بناء وترميم الكنائس، وأنه قد أضيف للعهدة العمرية بعد عمر.
ولما فتح عمرو بن العاص مصر لم يشترط على المسيحيين عدم بناء الكنائس أو ترميمها، ولم يعترض على ذلك عمر. وفى عام 170 للهجرة جاء إلى مصر والٍ من قبل هارون الرشيد اسمه على بن سليمان، وكان رجلاً متشدداً، فأمر بهدم الكنائس التى بنيت بعد الإسلام، فتصدى له فقيه مصرى من أعلام الفقهاء، هو الليث بن سعد، وكتب الليث لهارون الرشيد بعزل هذا الوالى لأنه هدم الكنائس، ولم يرد الرشيد كلمة الليث، وأرسل لمصر والياً آخر هو موسى بن عيسى، الذى دخل فى حوار مع الليث، وفى هذا الحوار قال له الليث إنه لابد من إعادة بناء الكنائس، لأنها من عمارة البلاد، وانضم إلى الليث فى رأيه فقيه مصرى جليل آخر، هو ابن لَهيعَة، وقالا للوالى إن الكنائس التى بمصر لم تبن إلا فى الإسلام فى زمان الصحابة والتابعين. ووافق الوالى على ما قاله الليث وصاحبه، وأعاد بناء الكنائس.
وفى بداية العصر المملوكى زادت حدة التشدد تحت تأثير الحروب الصليبية التى استمرت منذ العصر الفاطمى واستمرت أكثر من مائة عام، فقد ظهر فى هذا العصر فقيهان متشددان فى موضوع بناء الكنائس وتجديدها، هما ابن تيمية، والسبكى. وللأسف فإن كل المتشددين يرجعون لآرائهما.
وفى 1856 أصدر السلطان العثمانى الخط الهمايونى المعمول به حتى الآن، وقد جاء فى هذا الخط أن إنشاء الكنائس وترميمها لا يتمان إلا بموافقة السلطان. ولأن مصر كانت تحت الحكم التركى فقد خضعت لهذا الخط، إلا أنها كانت تتجاوزه كثيراً ؛ خصوصاً بعد أن أكدت ثورة 19 فكرة المواطنة، ولأن الأحاديث طويلة فى هذا المجال فسنكتفى بقصة واحدة ؛ بطلها الشيخ الباقورى، وزير الأوقاف فى ظل ثورة يوليو، فقد بلغ الشيخ أن كفر الشيخ ليس بها كنائس فخصص أرضاً من أراضى الأوقاف ليبنى عليها الأشقاء المسيحيون كنيسة.
هذا هو تراث المصريين فى التسامح. لهذا أقول لمن سيشاركون فى مناقشة قانون بناء الكنائس : إن مصر فى حاجة لمواطنين ذوى خلق وضمير، والكنائس قادرة على المساهمة فى هذا، فليبن الأشقاء كنائسهم وليرمموا ما شاءوا منها، لأن هذا يصب فى صالح الوطن وليس ضده.

شارك الخبر على