«المختارون» على مبادئ البقاء الجديدة

أكثر من ٨ سنوات فى التحرير

يعد فيلم "المختارون" تنويعة جديدة على تيمة الحرب بين الخير والشر، داخل إطار ممتع من عناصر الأكشن والخيال والتشويق. تجري وقائع المعركة خلال مستقبل ليس بعيدا، فوق أرض عربية غير معلومة. إذ لا يهم تحديد المكان بعد أن انمحت مدن بأكملها خلال أحداث القيامة.

يتولى عيسى (محمود الأطرش) القيادة خلفا لأبيه الشهم شعيب (سامر المصري) الذي قُتل غدرا، بينما يبدأ موسى (سامر إسماعيل) في إشعال الفوضى. يتساقط رفاق عيسى تباعا، بما ينذر بقرب نجاح الشر في إثبات (خيابة) التمسك بالفضائل على الأرض الخراب. كما لا يضع انتصار عيسى على موسى، نهاية للحرب، لكنه يضع فقط نهاية مفتوحة لأحداث الفيلم، بعد أن تكشف جولبين (ميساء عبد الهادي) لعيسى عن حتمية خوضه مرحلة جديدة غامضة في صراعه من أجل البقاء.

الفيلم من تأليف السيناريست الأمريكي فيكرام ويت، الذي استطاع تقديم نص سينمائي محكم البناء، يجمع بين عمق الفكرة وثراء الأحداث وبراعة رسم الشخصيات. كما قام ويت بتطويع مفردات عربية، الثقافة والموروث وطبيعة الأزمات، زادت من صدق العمل. سواء كان ذلك من خلال إشارة الفيلم إلى الجماعات الإرهابية (أصحاب الرايات السود)، أو عبر الدلالات الفولكلورية لأسماء الشخصيات، أو بالإشارة لكارثة ندرة الماء المرتقبة. لكن في المقابل، تستدعي حيل الموت التي استخدمها موسى ضد ضحاياه من عشيرة شعيب، أو الطريقة التي قتل بها عيسى موسى، إحالات لبعض من أفلام الأكشن الشهيرة التي تناولت نفس التيمة، بما يخل قليلا بالطابع العربي لمفردات الفيلم لدى المشاهد. 

يثير حوار الفيلم عدة قضايا فلسفية حول ماهية الحقيقة والمصير والاختيار. كما يشتبك مع الفكرة المحافظة التي تؤمن بأن الانغلاق يحمي أفراد المجتمع. فضلا عن أنه يحاول بجرأة إعادة مناقشة القيم العربية الراسخة كالشهامة والكرم والإيثار، ومدى مواءمتها للواقع داخل بيئة يتصارع أفرادها من أجل البقاء. يستخدم الحوار أيضا اللغة بذكاء، حيث يلعب بطولة "المختارون" نخبة من أهم نجوم المنطقة العربية، يؤدون الحوار تقريبا كل بلهجته الأم، لكن يلاحظ التزام آدم المنذر (حبيب غلوم) التحدث باللغة العربية الفصحى، بما يناسب طبيعة دوره الكاشفة التي استشرفت النهاية وحذرت شعيب منها. 

ورغم أن السيناريو جاء من اختيار الشركة المنتجة، التي تولت أيضا تعريبه، فإن المخرج الشاب علي مصطفى أظهر قدرة على فهم النص وتحقيقه بحرفية تناسب هذا النوع الجديدة من الأفلام (البوست أبو كليبتيك) غير المألوفة على السينما العربية (حتى تاريخه)، إذ يمثل "المختارون" نقلة نوعية في استخدام المؤثرات السمعية والبصرية جعلت من مشاهدته ومحاولة قراءته (متعددة المستويات) متعة ذهنية مثيرة، تفرض تحديا مستقبليا أمام صناع الأفلام العرب إذا ما حاولوا خوض هذه المغامرة مجددا. فقد تكامل مكساج شريط الصوت والموسيقى التصويرية عميقة التأثير التي وضعها جوزيف بشارة في إضفاء أجواء من التوتر والانتباه والتفاعل مع الأحداث جعل من مشاهدة الفيلم أشبه بتجربة معايشة، خاصة مع إتاحة مشاهدة الفيلم بتقنية 4DX في بعض دور العرض. كما كان لافتا اختيار علي مصطفى لزوايا التصوير التي لم تجعل المشاهد جزءًا من المعارك فحسب، بل نفذت به إلى فهم أعماق الشخصيات، كالزوايا الضيقة على تجاعيد وجه آدم المنذر (حبيب غلوم) التي توحي بتجارب ماضيه القاسية، أو الزوايا البعيدة التي تُظهر جلسة جمال (علي سليمان) في مكان مرتفع يؤكد نظرته المتعالية باعتباره الأكثر ثقافة بين عشيرة شعيب.

لم يقلل وجود دوبليرات المعارك من الجهد الذي بذله كل من سامر إسماعيل وسامر المصري ومحمود الأطرش وميساء عبد الهادي في واقعية الاشتباكات بالأيدي. ورغم المبالغة في رسم شخصية جمال من خلال المكياج الذي طمس الملامح في إشارة لعدم وجود انتماء، أو بالحوار المباشر الذي يستدعي التاريخ الجبان له، فقد استطاع علي سليمان عبر وعي متميز بطبيعة الشخصية بوصفها نموذجا لمثقف براجماتي انتهازي أداء الدور بمهارية تؤكد مكانته كواحد من أهم الممثلين العرب في السينما العالمية.

جاء انتصار موسى على عيسى مؤكدا قوة القيم الأصيلة الراسخة التي ورثها عن أبيه وعشيرته الأولى، فكل ضحية لموسى جاء رحيلها مانحا فرصة جديدة لعيسى في النجاة. لكن مقابلة عيسى للمنذر أكدت لديه أن نهاية كل معركة من أجل البقاء هي بداية معركة جديدة أكثر منها ضراوة، ومن ثم فإنه لا مفر من استخدام مفردات بقاء (المختارون) على الأرض الخراب. من هنا يحسم عيسى اختياره الذي نشاهده برمزية واضحة في المشهد الأخير، حيث يتوجه إلى مدينة (المختارين) حاملا على كتفه سترة أبيه، بينما يمينه مسلحة بالسكين الغادرة التي قُتل بها.
فيلم "المختارون" من إنتاج شركة "إيميج نيشن أبو ظبي" بالاشتراك مع  بيتر سفران، وستيفن شنايدر، ورامي ياسين. ينافس الفيلم بقوة على إيرادات شباك التذاكر بسينمات الخليج، ليحقق نجاحا جماهيريا متوقعا للأسبوع الثاني على التوالي. يأتي ذلك تتويجا للأصداء الإيجابية التي لقيها عند عرضه العربي الأول من خلال مسابقة المهر الإماراتي بدورة مهرجان دبي السينمائي الدولي، الثالثة عشرة. 
ومن المتوقع أن تقوم شركة "إيميج نيشن أبو ظبي" بطرحه للمشاهدة عبر على شبكة "نتفليكس"، كما حدث مع فيلم "زنزانة" العام الماضي، في سابقة كانت تعد الأولى من نوعها بأن يتم عرض فيلم عربي للمشاهدة من خلال المنصة الأكثر استخداما بين عشاق مشاهدة الأفلام السينمائية في المنزل.

شارك الخبر على