أرجوكِ يا سيدتي.. كوني معصوبة العينين دائما!
أكثر من ٨ سنوات فى التحرير
من المفارقات المثيرة للدهشة المقرونة بالتعجب والاستنكار، أن لدينا من القوانين ما ينظم حركة الحياة في العالم، وانظر إلى ترسانات القوانين تجد عجبا، فما بال حياتنا تتكاثر فيها الفوضى أكثر من الانضباط، بل هي «الفوضى المنظمة»، طبعا بعيدا عن تداعيات معاني هذا التعبير الأمريكي البغيض.
المثير للاستفزاز أن كل دولة تدعي أنها دولة القانون، وكل الدساتير تنص على أن الجميع سواسية أمام القانون، وتنظر حولك فترى أو تكاد ترى أن الخارجين على القانون أكثر من الداخلين فيه.
عندما يختل الميزان، يهتز القانون، ويغيب العدل.. وتداعيات تغييب القانون.. مرعبة! والنفاذ القانوني من ثغرات القانون ذاته.. أكثر رعبا، حتى لتبدو قوانيننا «حمالة أوجه» تفسرها الأهواء الشخصية، وإن تعجب فعجب أن تجد قطبين من جهابذة القانون يتضادان في الحديث عن قانون بعينه، هو هو، بكلماته ومفرداته، لكن القراءات شتى، ضاربة عرض الحائط بالمقولة الموحية «حددوا مصطلحاتكم تستقم أموركم».
ونحن للأسف العنيف، نجول في غابة من المصطلحات المرتبكة والمربكة، ونصول في مستنقع من التعبيرات العشوائية.. زئبقية.. مطاطية.. بللورية.. إلى آخر مفردات عائلة الترادف، وهي مدرسة قتلت ولا تزال تقتل اللغة وتجهض الفكر، فاللغة والفكر لا ينفصلان، ولا يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر، وهذا ما نعاني منه، منذ القرن الثاني الهجري وحتى يومنا وغدنا وسنظل.
وتداعيات تغييب العدل أيضا مرعبة، واقرأ معي كلمة عالم الاجتماع الشهير «ابن خلدون»: «دولة الكفر مع العدل تدوم، ودولة الإسلام مع الظلم تزول» وتتماثل هذه المقولة الجادة والحادة، مع ما قاله الفيلسوف «أفلاطون» في كتابه «السياسي»: «إن صلاح الحاكم الخاضع للقانون أفضل من تلك الإرادة التحكمية التى تصدر عن حاكم فرد، أو حكومة بلوتوقراطية، أو حتى عن حكم الجماهير» جاء ذلك وهو يبعث برسالة إلى شعب صقلية: «لا تَدَعُوا صقلية ولا أى بلد آخر يخضع لسادة من البشر، بل يجب ألا يخضعوا لغير القانون، واعلموا أن الخضوع لغير القانون شر على الحاكم والمحكومين، عليهم جميعا وعلى أحفادهم وذرياتهم».
وفي العصر الحديث تبرق مقولة الفيلسوف الفرنسي «مونتيسيكيو» صاحب نظرية فصل السلطات الذي تعتمده غالبية الأنظمة حاليا إذ قال: «القانون يجب أن يكون كالموت لا يستثنى منه أحد..». (!!).
الإشارات التي تبجل القانون كثيرة لا حصر لها، لكني أبحث عن كيفية تضييق المسافة بين التصورات والتصديقات، هنا تكمن المأساة، مع تغييب القانون وإجهاض برنامجه التنفيذي، ذلك أننا يبدو وكأننا نأخذ بـ«قانون القوة» وليس «قوة القانون».
وفي الدنيا كلها نجد تمثال العدالة معصوب العينين، ومعناه أن العدالة لا ترى أحدا صغيرا ولا كبيرا، غنيا أو فقيرا، فهي تحكم بين الناس دون معرفة بهم.. إلا في مصر، ففي مصر نجد تمثال العدالة وقد رفعت المنديل عن عينيها! هذه الملاحظة كانت حوارية مع أستاذي أنيس منصور، ونحن نمر أمام مجمع المحاكم، لحظة الخروج من مبنى مؤسسة الأهرام الصحفية ذات يوم مضى.
قال الكاتب الكبير لما سألته: يعني إيه؟
يعني أن العدالة «كشفت عينيها لتندب فيهما رصاصة، ترى وترحب، فكأن العدالة قد رفعت المنديل من فوق عينيها وتحزمت به لكي ترقص على القانون.. أي قانون؟!
نفسي أعرف ما الذي قصده من رسم هذا النقش البارز؟
هل نسي المنديل؟ أو هل رآها أجمل من غيرها؟
وما دامت العدالة واحدة ست.. فربما كان الرسام ضد الحجاب، ولا بد أنه رأى أن الصحف لا تضع (عصابة) على وجوه الرجال والنساء إلا إذا كانوا مجرمين.. والصحف تخاف من التشهير بهؤلاء الناس فتطمس معالمهم خوفا من العدالة.. شيء عجيب.
ولكن الذي رسم هذه العدالة جعلها لا تخيف أحدا، وإنما جعلها سافرة.. كأنه يريد أن يقول إن العدالة ليست رمزا مجردا.. وإنما العدالة بشر، فيه كل عيوب البشر.
فكيف نخفي هذه الحقيقة أو نتجاهلها؟
أو هل الرجل الفنان العظيم المتواضع قد رأى أن نضع نحن المنديل على عيوننا حتى لا نرى العدالة؟
هل نحن الذين يجب ألا نرى؟ أو هي العدالة وحدها؟
إن هذا الفنان المجهول قد تنبأ بمصير العدالة لا في مصر ولكن في هذا الكوكب!
أو كأن هذا الفنان كان على يقين من أن العدالة ترفع المنديل عند المحاكمة وتضعه عند النطق بالحكم.. أو بأن قماش المنديل كان من النايلون الشفاف.
إلا إذا كان من رأيه أن العدالة عمياء.. إن هذه الفكرة تقضي على نبوءة فنان عظيم مجهول!
ويا أيتها العدالة.. يا سيدتي الجميلة.. كوني معصوبة العينين دائما!
ربما يعتدل الميزان؟
وويل للمطففين..
فالميزان شفرة الدنيا والآخرة.. تأمل كيف ذكر القرآن العظيم كلمة «الميزان» ثلاث مرات في آيتين فقط في سورة الرحمن }وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ{.
فهل من مدَّكر؟
ولا عزاء للقانون!
alafifi56@gmail.com