اعترافات صباحية

over 8 years in التحرير

أحد أيام الأسبوع الماضى، كان عندى موعد فى ميدان المنشية مبكرا. آثرت أن أكون موجودا قبل الموعد بقليل حتى أمرّ على محل البن البرازيلى فى شارع سعد زغلول وآخذ "على السريع" كوبا من الكابيتشينو. وصلت ولم يبق أمامى سوى خمس عشرة دقيقة متبقية على موعدى. كانت رائحة القهوة تتصاعد فى عقلى طوال الطريق، وتهوِّن عليَّ هذا الاستيقاظ المبكر جدا. عندما أستيقظ فى هذه الأوقات الاستثنائية، قبل السابعة، على غير عادتى، والتى تذكرنى بسنوات الطفولة والدراسة والعمل الروتينى؛ أشعر بنوع من التشوش النفسى، كأنى فاجأتُ نفسى قبل أن ترتب أوضاعها، وهى مفككة، كل جزء منها لم يأخذ مكانه بعد ضمن هذه المنظومة التى تسمى "النفس"، وأيضا ضمن هذه المنظومة التى تسمى "النهار"، كأن ضوءا شديدا سُلِّط على أجزاء تلك النفس المبعثرة، فتسمرت فى مكانها، بلا حول ولا قوة، كما تسلك الأرانب البرية عند اصطيادها بأضواء الكشافات ليلا.
ولكن لو صحوت فى الميعاد الطبيعى، حوالى الثامنة، أو الثامنة والنصف، يكون كل شىء فى تلك النفس مرتبا، وأبدأ يومى تكرارا لنفس اليوم السابق، والذى قبله، والذى قبل قبله، بدون أى اختلالات. ربما هذا الطارئ الجديد المتمثل فى الاستيقاظ مبكرا بساعتين مثلا عن الموعد العادى، هو الذى منحنى رؤية نفسى فى تلك اللحظة الحرة، وهى مبعثرة على أماكن كثيرة تستخلص منها هويتها، وتحاول أن تجمع شتاتها من تلك الوهاد المترامية فى مملكة الليل.
ربما لو "طبَّقت" فى أحد الأيام، بدون نوم أو استيقاظ،؛ سيجعلنى هذا أواجه النفس الليلية نفسها فى الصباح، بدون أن أدع لها الفرصة كى تتجول بحرية وانطلاق وبدون ضوابط، تلك التى يوفرها النوم. كأن الاستيقاظ سلطة من سلطات الطبيعة، تكبت اللا شعور وتمنع العالم الآخر، من أن يتبدى، بل وتحول النفس إلى كتلة صلبة متماسكة ليس بينها فراغات، تلك التى يوجدها النوم فى نسيج النفس، أو السيحان فى أراضى اللا شعور.
فى فيلم "الأرق" Insomnia الذى قام ببطولته آل باشينو، وأخرجه المخرج الأمريكى، البريطانى الأصل، كريستوفر نولان، وقام فيه آل باشينو بدور محقق يذهب إلى إحدى القرى للتحقيق فى موت فتاة شابة. كان آل باشينو مصابا بالأرق طوال الفيلم، لا ينام، فالمدينة تظهر فيها الشمس على مدار الساعة. كان يفتقد هذا العالم الآخر الذى تتحرك فيه نفسه وغريزته بحرية، لذا تحول إلى قاتل، ليس بوصفه مجرما ولكن بوصفه آلة إنسانية فقدت المكان الذى تتحرر فيه من أزمات النهار وسلطاته، ومواعيده والتزاماته.
المهم فى هذه الساعة المبكرة، وفى هذا اليوم، وأنا أهم بالسير تجاه محل "البن البرازيلى"، خلال الخمس عشرة دقيقة المتبقية على موعدى؛ فاجأنى أحد الأشخاص: شاب فى نهاية عقده الثالث، خرج من الحديقة المواجهة لفندق متروبول حيث يرتفع تمثال "سعد زغلول" فى مواجهة البحر، وفى المكان نفسه وقف "عيسى الدباغ" بطل "السمان والخريف" لنجيب محفوظ بعد ثورة يوليو ينعى أيام الوفد، وربما يكفر عن ذنوبه أو يستنجد بـ"إله الوفد" سعد زغلول، من هذه التحولات التى أوجدتها الثورة.
اعترض هذا الشاب طريقى واستوقفنى فجأة. سألنى أن يسير معى فوافقت بعد أن ابتلعت صدمة مفاجأته. عرَّفنى بنفسه بأنه متخرج فى كلية الآداب، ويحب الشعر، وقد قرأ لى بعض الكتابات، ورآنى فى برنامج تليفزيونى شهير. كانت هذه هى المقدمة، التى منحته ثقة فيَّ، ليبدأ فى سرد مشكلة حياته. قال لى بأن خطيبته تركته بعد سنتين من الخطبة، ثم خُطبت من آخر بعد فك خطبته عليها مباشرة. المشكلة بالنسبة له بأنه يشك أن خطيبته كانت تضحك عليه، وتضعه كاحتياطى طوال السنتين، وربما ذهبت به الوساوس أيضا، إلى أنها كانت تعرف هذا الوافد الجديد أثناء خطبتهما. سألته: هل كنت تثق بها؟ أجاب نعم، وهل تثق فى نفسك؟ أجاب: لا، قلت له: هنا المشكلة، عدم ثقتك فى نفسك جعلتك تفسر كل شىء من هذا المكان الأدنى، وربما ظلمت خطيبتك التى تثق فيها.
قلت له أيضا: ربما خطيبتك حاولت أن تجعل علاقتكما ناجحة، ولكن لم يتوفر الحب أو القبول الجسدى والنفسى اللا زمان للاستمرار، فآثرت أن تتركك بدل أن تطيل أمد علاقة لا رجاء ولا مستقبل لها. قال ما هو أكثر من هذا، وقلت ما هو أكثر من هذا، خلال خمس عشرة دقيقة فقط. وجدت نفس إنسان آخر منثورة أمامى، وعلى أن أكون عادلا فى هذه الساعات المبكرة التى تكون فيها نفسى أنا أيضا منثورة فى عدة أماكن، ولم أستردها بعد بكوب من الكابيتشينو، والتعود على ضوء النهار.
الجديد فى الموضوع أنه ارتبط بفتاة جديدة، ولكن من كسرت قلبه لا يريد أن ينساها، ويتعامل مع هذا الكسر أو الخط الجاف الثقيل الذى علَّم على قلبه؛ بقدسية، كأنه مؤمن بأنها ستعود له، وكل ما حدث وما يحدث الآن ليس إلا لحظات ألم مؤقتة، سيعاد بعدها ترتيب كون علاقتهما القدرية!
ما كنت مندهشا له هو هذا البوح السريع والثقة التى منحنى إياها خلال خمس عشرة دقيقة، ربما كان يعول على أن أقضى معه وقتا أطول، ولكن موعدى عجل بالنهاية. خلال حوارى معه كنت أرى حلم كوب الكابيتشينو يتلاشى رويدا رويدا، كنت متضايقا من هذه الرائحة التى أصبحت سرابا.
فى لحظات البوح هذه أشعر بأن هناك من يفتح نفسي بقوة، يعريها، يفاجئها فى الموعد غير المناسب للمواجهة ولاستقبال ضوء النهار، ولكن ربما كل المواعيد غير المناسبة، وغير المتوقعة، تجعلنا نباغت أنفسنا فى لحظات حرجة ولكنها هامة، تكون الحقيقة فيها منتظرة وراء الأبواب. 

 

Share it on