الوساطة ليست دائمًا سيئة.. حكاية أول مخرج مصري شارك بمهرجان «كان»
أكثر من ٨ سنوات فى التحرير
راوده حلم التمثيل منذ الصغر، وفور حصوله على شهادة البكالوريا "الثانوية العامة" في عام 1937، بعث برسالة إلى المخرج محمد كريم، مصحوبة بصورة فوتوغرافية له يطلب منه فيها أن يجد له عملًا في أحد أفلامه، فجاء رد الأخير: "أنت يا ابني ملامحك ما تنفعش ممثل روح شوفلك شغلانة تانية"، لتكون تلك العبارة القاسية بمثابة "الدينامو" الذي حرّك موتورًا سينمائيًا "تقفيل برا"، وهو المخرج العبقري كمال الشيخ، الذي يجهل أبناء الجيل الحالي شكله، وربما لم يسمعوا من قبل عن اسمه.
في التقرير التالي نستعرض مسيرة الإبداع التي خاضها المخرج الراحل كمال الشيخ في حب "الفن السابع".
البداية في حلوان
ولد "الشيخ" في 5 فبراير 1919، بإحدى ضواحي حلوان، ونال شهادة البكالوريا من مدرسة "الدوادوين" في عام 1937، ثم قرر أن يستثمر ولعه بالسينما ويصبح ممثلًا، لكن الرد القاسي الذي جائه على رسالته من جانب المخرج محمد كريم أصابه بخيبة أمل كبيرة، فما كان من إلا أن يكون مخرجًا بأي طريقة.
بدأ يبحث عن مدرسة لتعليم السينما، لكنه لم يجد، فقرر الاستعانة بجاره الذي كان يشغل منصب وزير الحربية آنذاك، حيدر باشا، فتوسط له عند الشاعر خليل مطران، والذي توسط له بالتبعية إلى مدير استوديو مصر حينها، المخرج أحمد سالم، فعينه الأخير بوحدة المونتاج داخل الاستوديو تحت إشراف من نيازي مصطفى، الذي أصبح فيما بعد أحد كبار مخرجي السينما.
موهبة أبهرت نيازي
لم يكن المخرج نيازي مصطفى متحمسًا لموهبة الشاب في بداية الأمر، خاصة وأنه دخل المجال بـ "الواسطة"، لكنه سرعان ما تسلل إليه الإحساس الممزوج باليقين بأن "كمال" سيكون له شأن رفيع في صناعة السينما، نظرًا للبراعة التي أبداها سريعًا في فن "المونتاج"، ليظهر اسمه لأول مرة على "تترات" الأفلام بعد 4 سنوات فقط من التدريب.
من أشهر الأفلام التي عمل بها الشيخ كـ "مونتير" كانت "البؤساء" 1943، و"من الجاني" 1944، و"شهداء الغرام" و"غزل البنات" 1949، كما أشرف على المونتاج في أفلام "دهب" و"بنت الأكابر" 1953.
الانطلاقة الأولى في عالم الإخراج
بداية كمال الشيخ كمخرج كانت في فيلم "المنزل رقم 13" في عام 1952، بطولة عماد حمدي، وفاتن حمامة، وخلاله نجح في تقديم حبكة بوليسية جديدة على السينما المصرية، وسط أجواء مشحونة بالإثارة والتشويق، وربما لا يعلم البعض أن كمال الشيخ أنتج هذا الفيلم بمساعدة مالية بسيطة من مدير التصوير، وحيد فريد، ومساعدة أبطال الفيلم الذين وافقوا على تأجيل أجورهم لما بعد عرض الفيلم، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا.
الحبكة البوليسية عرفت طريقها الدائم لأفلام الشيخ، وامتدت معه في كثير من الأعمال، لذا لقّبه البعض بـ "هيتشكوك السينما المصرية"، نسبة إلى أفلام المخرج الأمريكي "ألفريد هيتشكوك" القائمة على الحبكة البوليسية والدرامية.
ويعتبر كمال الشيخ من أبرز المخرجين الذين حولوا الأعمال الروائية إلى السينما، فقدم على سبيل المثال رواية "اللص والكلاب"، للأديب العالمي نجيب محفوظ، وكذلك رواية الأديب فتحي غانم "الرجل الذي فقد ظله" في فيلم حمل نفس العنوان، وأيضًا رواية "بئر الحرمان" للكاتب إحسان عبد القدوس.
وقدم المخرج الراحل على مدار مسيرته الفنية 37 فيلمًا فقط، كان آخرها "قاهر الزمن"، 1987، وهو أول فيلم اعتمد على الخيال العلمي في السينما المصرية.
أول مخرج في مهرجان كان
في عام 1954، أخرج كمال الشيخ فيلمًا يعد من أبرز كلاسيكيات السينما المصرية، وهو فيلم "حياة أو موت"، الذي كتب له معالجة في 13 ورقة بعد قرائة حادثة في إحدى الجرائد، وبعد الانتهاء من تأليفه عرضه على الكثير من المنتجين، لكنهم رفضوا إنتاجه لإصرار "الشيخ" على تصويره في الشارع، الأمر الذي يعد مكلفًا آنذاك، حتى وافقت المنتجة أسيا داغر على إنتاج الفيلم وفق رؤية الشيخ، ليتم اختياره في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، وبهذا يصبح كمال الشيخ - الذي دخل الفن بالوساطة- هو أول مخرج مصري يشارك فيلمه في المسابقة الرسمية لمهرجان كان.
الرحيل في هدوء
عاش الشيخ حياة أسرية هادئة مع زوجته أميرة سالم، الذي أسند إليها مهمة عمل مونتاج أغلب أفلامه إلى جانب شقيقه سعيد الشيخ، حتى رحل في هدوء بعد 17 عامًا من اعتزاله السينما، وتحديدًا في 2 يناير 2004.