قفلة!

أكثر من ٨ سنوات فى التحرير

قد تأتى عليك لحظة ما تعزف فيها نفسك عن نشاطاتك، تفقد الرغبة فى الحديث، فى العمل، حتى أحيانا فى لقاء الآخرين.. نوع من الاكتئاب يفاجئك فجأة وبلا مقدمات..

هذا ما حدث لى بالضبط منذ فترة.. عندما حاصرتنى الهموم الخاصة والعامة.. أقرأ فى الصحف وأشاهد فى التليفزيون ما يثير الغضب والغصة فى الحلوق، فمن شباب لنا تسيل دماؤه بين حين وآخر فى سيناء بأيد آثمة طاغية، وعمليات دهس وقتل لأبرياء فى أنحاء العالم على أيدى دواعش إرهابيين لا يريدون إلا الإساءة للإسلام، ورفع مؤشر الإسلاموفوبيا إلى أقصى مداه.. أقلق على أبنائى المقيمين فى بلاد الغرب، أقلق على شبابنا المسلم فى هذه البلاد من أخطار الأعمال الانتقامية، وردود أفعال مضادة لهذه الحوادث قد يقعون ضحية لها.. قالت لى صديقتى: كل ما يحدث حولنا فى العالم ألا يدفعك للكتابة؟ هى قفلة يا صديقتى أصابتنى ولا ينجو منها أى كاتب.. حتى نجيب محفوظ نفسه توقف عن الكتابة نحو خمس سنوات من 52 حتى 1957.. ربما أربكته الأحداث السياسية وقتها من ثورة وتغيير النظم العامة للحكم فى الدولة. فماذا يفعل الكاتب منا عندما يطغى عليه همه الخاص وتزيده همومنا العامة؟ يقف حائرًا وقد عقد قلمه قبل لسانه.

يقترح خبراء علم النفس بعض الحلول، منها ممارسة الرياضة والتعرض للشمس، والتقرب إلى الله، ولقاء بعض الأصدقاء المقربين، وممارسة هوايات محببة للنفس، ورحلة لمكان هادئ أو صاخب حسب حاجتك.. عنصر الوقت المناسب مهم جدا، فربما ترى أن هذا الوقت ليس هو الوقت المناسب لأن تقوم بعملك هذا.. ربما ترى أن كل أفكارك ومقترحاتك من السخف أن تكتبها فى تقرير أو مقال أو تشارك بها فى اجتماع العمل.

يرى خبراء علم النفس أنه لن يمكنك العزف على آلة موسيقية مثلا دون أن تمسكها فى يديك وتحاول العزف حتى للحظات. لن أستطيع الكتابة إلا وأمامى لوحة مفاتيح أو ورقة وقلم.. لأكتب حتى ولو سطورا قليلة.. القراءة هى الشاحن المعنوى للإبداع، اقرأ فى المجال الذى تحبه، أو الذى تعمل فيه.. شاهد فيلما وثائقيا أو استمع لبرنامج يتحدث عن اهتماماتك.. فربما مشاهدتك لبرنامج عن التسويق مثلا توحى إليك بأفكار مميزة تعرضها على مديرك.. أو قراءة فى كتاب شيق يمنحنى الحماسة اللازمة للكتابة من جديد.. صرخة المولود عندما يدخل الهواء فجأة إلى قصبته الهوائية تعبر عن صعوبة لحظة الميلاد، حشرجة أنفاسه عند الموت تنبئ بأن مفارقة الحياة ليست سهلة، وما بين تلك اللحظتين، لحظة الميلاد ولحظة الوفاة يعيش الإنسان مئات اللحظات التى تتنازعه وقد تمتعه، تحيره وقد تطمئنه..

إنها الحياة بحلوها ومرها... والمجهول الذى يخشاه الإنسان دائما ويتطلع إليه فى نفس الوقت.. المستقبل الذى يسعى إليه.. وهو لا يدرى أخير له أم شر عليه. حياة لا بد أن نتقبلها حينا ونرفضها حينا، ونتمسك بها فى كل الأحوال لأنها محسوبة علينا.. عمر لا بد أن نقضيه.. ونريد أن نحقق أفضل ما نستطيع أن نصبو إليه.. ورغم أن الإنسان خلق فى كبد، فلا مانع من أن تجاهد معى ولا تيأس.. فرحمة الله هى المظلة التى نركض إليها جميعًا.. آملين فى الأفضل.

ذكر فى هذا الخبر
شارك الخبر على