شهاب الخشاب يكتب الفهامة «34» العالم المدني

over 8 years in التحرير

كان فيه إيه قبل الإسلام؟ في المدارس بيتقاللنا من ناحية إن تاريخ مصر (وبالتالي تاريخ العالم بما إننا متواضعين) بدأ بالفراعنة والإغريق والأقباط قبل ظهور الإسلام، ومن ناحية ثانية إن قبل الإسلام كان فيه أبو لهب وعنترة وهات العطر يا ولد. في الرواية الأولى، الإسلام مجرد مرحلة من مراحل تاريخ الأمة المصرية العظيمة، وفي الرواية الثانية الإسلام هو الأمة والنور والحضارة اللي خرجتنا من عصور الجهل والكفر.

المدارس بتدرّس الروايتين وكأن مافيش اختلاف بينهم، إنما فيه اختلاف واضح في موقفهم من الشعوب اللي جات قبل الإسلام. الشعوب دي بيتقال عليهم ساعات إنهم ناس كويسة وإدتنا حضارتنا، وساعات إنهم ناس زفت وكانوا هيضيّعونا. يعني الروايتين بتقدم نموذجين للعالم الماضي، اللي نقدر نسميهم نموذج العالم المدني ونموذج العالم الإلهي حسب تعبير الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا ڤيكو.

في كتاب "العلم الجديد"، ڤيكو شرح إزاي المجتمع البشري ظهر وكبر وإتطور وإتدمر وإتولد من جديد عبر تاريخ الإنسانية. ڤيكو كان عايز يفهم التاريخ ده بشكل عقلاني، إنما عقلانية ڤيكو مش زي عقلانية الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، اللي كان مشهور جداً في زمن ڤيكو وحتى الآن. حسب ديكارت، ربنا إدى للبني آدم عقل عشان يعرف يحل مشاكله بنفسه، إنما حسب ڤيكو الرؤية دي محدودة، لأن الفرد الواحد عقله محدود بحياته اليومية، ومايقدرش بنفسه ينشأ ويكبّر ويطوّر ويدمّر حضارات بحالها إلا عشان ربنا إدى للإنسانية نصيب زي ما إدى للإنسان عقل.

حسب ڤيكو، نصيب الإنسانية إنها تتنفخ وتنفش زي البالونة: في الأول البني آدمين بيبقوا عايشين حياة وحشية، وبيبتدوا يخلقوا عادات وتقاليد جواز، وبعدين قوانين للعائلات والقبائل، والقوانين دي بتتوسّع وتبقى قوانين مدن، والمدن بتكبر ويحسوا إن القوانين دي ماتنفعش تسيطر عالشعب، فينتخبوا حاكم طاغية عشان يضبّط الدنيا، و كالعادة الطاغية بيخرب الدنيا، والناس بتهرب في الغابات، والإنسانية بتبدأ من أول وجديد.

بعيداً عن إحساس الواحد بإنه عايش في زمن الخراب والهجرة والوحشية، تصور ڤيكو مايقدرش يشرح التاريخ العالمي بحاله لأننا عارفين النهاردة إن شعوب العالم مرت بتجارب مختلفة عن بعضها، بالإضافة لإن صعودها وإنهيارها مالوش دايماً نفس الأسباب. إنما المهم مش المخطط اللي رسمه ڤيكو للتاريخ الإنساني، المهم هو الفرق الضمني اللي حدده بين نموذجين للعالم: العالم الإلهي اللي ربنا حدده وإدى للإنسانية نصيب فيه، ثم العالم المدني اللي الإنسانية بتصنعه بنفسها وعاداتها وقوانينها. لو ماقدرناش نفهم إرادة ربنا في العالم الإلهي، على الأقل نقدر نفهم إرادة البشر في العالم المدني، لأننا بشر زيهم مش آلهة.

ناس كثير مابتعترفش بوجود العالم المدني بالمفهوم ده، وشايفين مثلاً إن تاريخ الإسلام ماينفعش يتحكي إلا من وجهة نظر إلهية. يعني فجأة في وسط الصحراء والناقات والكفار، ربنا أنزل القرآن الكريم وبعث محمد صلى الله عليه وسلم عشان ينشر الإسلام في العالم، ومن ساعتها الإسلام إنتشر الحمد لله، والكفار يا ماتوا يا أسلموا. في الرؤية دي الإسلام يُعتبر أول حاجة تستاهل الإهتمام في الكون، وكأن كل تاريخ الإنسانية ابتدأ بالإسلام، وكأن اللغة العربية ماظهرتش قبل الإسلام، ولا الناس كانت بتحج قبل الإسلام، ولا الناس كانت عندها عادات وتقاليد قبل الاسلام واستمرت بعده.

في المقابل، إذا فكرنا في تاريخ الإسلام كجزء من تاريخ العالم المدني، لأننا بشر زي البشر اللي صنعوا العالم ده، نقدر نشوف مثلاً العلاقات بين لغات زي العبري والأرامي والنبطي ولغة القرآن، ونربط بين طرق التجارة وطرق الحج في الجزيرة العربية، ونفهم تقاليد اللبس والشرب والأكل عند العرب قبل وبعد الإسلام. الكلام ده مش معناه إن ڤيكو كافر: بالعكس، هو كان شايف إن الإنسانية دايماً في إيدين ربنا، ومهما عمل الإنسان، الإنسانية مش هتهرب من مصيرها. إنما اللي بإيدينا نفهمه هو تاريخ الإنسانية مش قدرها، وبما إن الإنسانية أقدم من مصر ومن الإسلام، فالمفروض نتعامل معها بالاحترام اللازم. 

Share it on