كتبه حسن مودي عبد الله يتكرر احتراق الأسواق الكبيرة في الصومال بمعدل سنوي مرة أو مرتين على الأقل، وتزداد الخطورة والشكوك عندما يتزامن احتراق سوق كبير في العاصمة مقديشو وآخر في إحدى عواصم الولايات أو أحد أسواق التجار الصوماليين في دول الجوار كما حدث مرات سابقة؛ وبذلك يتحول الأمر من حادثة عابرة إلى ظاهرة ينبغي دراسة أسبابها ودوافع الفاعلين المجهولين في أغلب الأحيان. آخر حريق في الرابع من شهر سبتمبر الجاري اندلع حريق هائل في أجزاء من سوق بَعَادْ ثاني أكبر سوق بالعاصمة الصومالية مقديشو، وقد أدى الحريق إلى أضرار مادية لم يكشف عن حجمها حتى الآن. وبعد جهود مضنية نجح رجال الإطفاء من بلدية مقديشو في إخماد ذلك الحريق الأخير الذي تزامن مع رابع أيام العيد الأضحى المبارك. ويُذكر أن الاهتمام الأكبر ينصب عادة في العمليات الإنقاذية لا الوقائية التي تتطلب إجراء تحقيقات جادة في الكشف عن الجناة والمتسببين في الحرائق وتغريمهم أو محاكمتهم كأفراد وشركات ضمن إجراءات وقائية تقوم بها السلطات المعنية للحد من الإهمال ولاستخلاص الدروس من الحوادث السابقة، وكذا لتلافي تكرُّر مثل ما حدث في هذا العام من توالي أربعة حرائق في سوق بكاري بدرجات متفاوتة. إهمال متراكم كانت التصريحات الرسمية بشأن حرائق الأسواق تتمحور منذ عام ٢٠١٥ وحتى الآن حول وجود خطط حكومية رامية للتفريق بين محطات بيع الوقود والمطاعم مع عمل إجراءات خاصة بتحديث شبكات الكهرباء وتقليل مخاطرها باعتبارها أكبر مسببات اندلاع الحرائق في الأسواق، وهي وعود يصاحبها شيء من اللامبالاة وعدم إعطاء الأولوية في التنفيذ. ويقول الخبراء إن هناك حاجة ماسة إلى أن يتم إجبار شركات الطاقة على اتباع المواصفات المعتمدة عند تصميم شبكة التمديدات وكذلك تطبيق كافة إجراءات السلامة على جميع المواد القابلة للاشتعال السريع كالغاز والبنزين وغيرها من المواد التي – للأسف – تباع بشكل عشوائي على الأرصفة؛ وبالتالي فإن هناك إهمال حكومي متراكم ليس فقط في الإجراءات الوقائية، وإنما هناك سوء تنفيذ إجراءات الإنقاذ وإطفاء النيران، ومن ذلك ما يحدث في معظم الأوقات من التباعد بين محطات المياه والمناطق المنكوبة مما يسبب زيادة في الخسائر مع ضعف مستوى فرق الإطفاء وخدمات الطوارئ. يُذكر في هذا السياق أن أغلب الأماكن المخصصة للاستراحات ومواقف السيارات في تقاطعات مقديشو محجوزة لصالح شخصيات وشركات خاصة حولتها إلى محلات تجارية ومحطات بيع المحروقات، وهي أماكن كان يُفترض أن تُستغل كمحطات لتزويد صهاريج الإطفاء بالمياه لرفع مستوى الخدمة وإنهاء المهمات في السرعة المطلوبة. متضرر محمد حسين – أحد التجار المتضررين في عام ٢٠١٧، وصاحب محل بيع حلويات في سوق بكاري، ذكر متحدثا لوسائل الإعلام المحلية أنه تضرر في عامين متتاليين، وأنه اضطر إلى أن يبدأ من الصفر في الحالتين دون الحصول على تعويضات حكومية أو غير حكومية، باستثناء بعض المساعدات التي حصل عليها من بعض أقاربه، وأضاف قائلا إن الأخطار في هذا السوق محتملة في أي لحظة لسوء الخدمات وانعدام التأمين الحكومي، وتكون الخطورة أكثر عندما يشبُّ حريق في الليل، حيث لا يمكن لصاحب المحل أن يصل إلى متجره بسرعة؛ مما قد يجعله عرضة للسرقة أحيانا حتى وإن لم تصل إليه النيران. وفي حديثنا مع بعض التجار المتضررين بحرائق الأسواق تبين لنا أن هناك نظام تكافلي خاص، وصناديق تعاونية للطوارئ، وهو نظام معتمد لدى بعض القطاعات التجارية مثل قطاع الإلكترونيات؛ وذلك بهدف رفع معنويات التجار المتأثرين بأزمات السوق، ومساعدتهم بطرق شتى كإعطائهم قروضا مالية تمكِّنهم من بدء أعمالهم التجارية بمستويات معقولة، ويضاف إلى ذلك استراتجيات وقائية يتبعها البعض كتوزيع البضائع على فروع ومحلات في أجراء مختلفة من السوق. غياب نظام تأميني منتظم ويتحدث الاقتصاديون عن إمكانية التعاقد مع شركات عالمية لحل أزمة الأسواق الصومالية من حيث بنائها وفق معايير الجودة والسلامة، ومن حيث إنشاء نظام تأميني للحماية من المخاطر المحتملة محليا وإقليميا، وهذا أمر ممكن بالنظر إلى حجم التجارة والأموال المتداولة في أسواق الصومال المركزية التي تعج بالأكشاش والمباني العشوائية، رغم وجود عمليات تطوير ملحوظة في بعض الأجنحة، وما تم استحداثه من توسعة الطرق الداخلية، ومشاركة بعض الشركات في توفير سيارات الإطفاء إلى جانب الجهود المتواضعة المبذولة من قبل إدارات النواحي والبلديات، نعم هي جهود ضعيفة المستوى وقليلة جدا بالمقارنة مع حجم الضرائب المتحصَّلة من الأسواق المركزية، التي تُقدر بمئات الآلاف سنويا، مما كان يُفترض أن يكون جزءا من الترميمات اللازمة وإعادة هيكلة الأسواق وتطويرها مع تخصيص جزء من الأموال كمساعدات وتعويضات للمتضررين بحرائق الأسواق لحين الحصول على نظام تأميني منتظم في الصومال. الخاتمة يرى بعض المراقبين أن هناك سياسة ممنهجة تهدف إلى ضرب اقتصاد البلاد بأي طريقة ممكنة؛ ضمن حرب استنزافية مدبرة من قبل بعض دول الجوار لتقويض النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الصومال، ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك مؤكدين أن بعض مسؤولي البلد ضالعون في جرائم الحرائق وإحداث الفوضى في الأسواق للتغطية على أحداث سياسية، وهي قضايا تحتاج إلى تحقيقات مستقلة للتأكد من صحتها. وأخيرا؛ نخلص إلى القول إن ظاهرة تكرر حرائق الأسواق في الصومال لم تلق الاهتمام اللازم من حيث دراسة أبعادها وآثارها المستقبلية، كما أنه من غير المقبول أن تستمر الأوضاع كما هي بدون تعويضات للخسائر البشرية والمادية، مع ضرورة خلق واقع معاكس للمشاهد المؤلمة المتمثلة في تفاجئ التجار بنيران تلتهب وتلتهم بضائعهم بفعل فاعل مجهولا في أغلب الأحيان، علما أن الإفلاس المفاجئ لرجال الأعمال له تداعيات نفسية قد تؤدي إلى الجنون وملازمة المصحات النفسية ومفارقة عالم التجارة والمال كنتيجة طبيعية للإهمال وسوء السياسات الحكومية في البلاد. أكثر من ٦ سنوات فى صومالى تايمز